![]() |
من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
الشاعر محمود درويش نبذه عن الشاعر محمود درويش (1942م) شاعر فلسطيني ولد بقرية "البروة" شرقي عكا. خرج منها في السادسة تحت دوي القنابل 1948م، فراح يعدو مع أحد أقاربه ضائعاً في الغابات، فوجد نفسه أخيراً في جنوبي لبنان، وبعد سنة تقريباً تسلل مع عمه عائداً الى فلسطين، درس العربية والانكليزية والعبرية. اتهم بالقيام بنشاط معاد لدولة اسرائيل؛ فطورد واعتقل خمس مرات 1961م، و 1965، و 1966، و 1967، و 1969، وفرضت عليه الإقامات الجبرية. انتمى مدة من الزمن الى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعمل في جريدته "الاتحاد"، ومجلته "الجديد" العبريتين الصادرتين في حيفا، حصل على منحة دراسية في موسكو عام 1970م فسافر إليها، ولم يعد بعد إنهاء الدراسة إلى فلسطين. له شعر كثير، من دواوينه "عصافير بلا أجنحة" 1960، و "أوراق الزيتون" حيفا 1964م، و "عاشق من فلسطين" 1966م، و "يوميات جرح فلسطيني"، و "آخر الليل" 1967، و "حبيبتي تنهض من نومها"، و "الكتابة على ضوء البندقية". جمعت هذه الأعمال الشعرية كاملة في "ديوان محمود درويش" ونشرتها دار العودة ببيروت 1971. ثم صدر له ديوان "أحبك أو لا أحبك" 1972م، و "تلك صورتها" 1975م، و "أعراس" 1976م. ثم جمعت هذه الأعمال وغيرها في مجلد آخر سمي "ديوان محمود درويش" نشرته دار العودة 1977م. صدر له بعد ذلك" النشيد الجسدي"، (بالاشتراك)1980،" مديح الظل العالي" 1982،" هي أغنية.. هي أغنية" 1985." ورد أقل "،1985،" حصار لمدائح البحر"، 1986،" أرى ما أريد"، 1990،" أحد عشر كوكباً "،1993. مؤلفاته : شيء عن الوطن- يوميات الحزن العادي- وداعاً أيتها الحرب -وداعاً أيها السلم- في وصف حالتنا –الرسائل (بالاشتراك). حصل على جائزة اللوتس، وابن سينا، ولينين، ودرع الثورة الفلسطينية وجوائز عالمية أخرى وعدة أوسمة وترجمت قصائدة إلى أهم اللغات الحية. وسوف اقوم بجمع ماستطيع من قصائده و ادرجها في موضوع هنا لتظل مرجعا لكل محبي فلسطين والله الموفق http://files.shabab.ps/vb/images_cas...231805mgMc.jpg http://files.shabab.ps/vb/images_cas...231806EkTH.jpg |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
بطاقة هوية سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألفْ وأطفالي ثمانيةٌ وتاسعهم سيأتي بعد صيفْ فهل تغضبْ سجل أنا عربي وأعمل مع رفاق الكدح في محجرْ وأطفالي ثمانيةٌ أسل لهم رغيف الخبزِ والأثواب والدفترْ من الصخرِ ولا أتوسل الصدقات من بابكْ ولا أصغرْ أمام بلاطِ أعتابك فهل تغضبْ * سجل أنا عربي اسمٌ بلا لقبِ صبورٌ في بلادٍ كل ما فيها يعيض بفورة الغضبِ جذوري قبل ميلاد الزمان رستْ وقبل تفتح الحقبِ وقبل السرْوِ والزيتونْ وقبل ترعرع العشبِ أبي من أسرة المحراث لا من سادةٍ نُجُبِ وجدي كان فلاحاً بلا حسبٍ ولا نسبِ يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتبِ وبيتي كوخ ناطورٍ من الأعواد والقصبِ فهل ترضيك منزلتي انا اسمٌ بلا لقبِ * سجل أنا عربي ولون الشعر فحْميٌّ ولون العين بنيِّ وميزاتي: على رأسي عقالٌ فوق كوفيهْ وكفي صلبة كالصخرِ تخمش من يلامسها وعنواني: أنا من قريةٍ عزْلاءَ... منسيهْ شوارعها بلا أسماءْ وكل رجالها في الحقل والمحجرْ فهل تغضبْ سجل أنا عربي سلَبْتَ كروم أجدادي وأرضاً كنت أفلحها أنا وجميع أولادي ولم تترك لنا ولكل أحفادي سوى هذي الصخورِ... فهل ستأخذها حكومتكم كما قيلا إذن سجل برأس الصفحة الأولى أنا لا أكره الناسَ ولا أسطو على أحدٍ ولكني إذا ما جعتُ آكل لحم مغتصبي حذار حذارِ من جوعي ومن غضبي |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
عابرون في كلام عابر أيها المارون بين الكلمات العابره احملوا أسماءكم، وانصرفوا واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكره وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا أنكم لن تعرفوا كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء أيها المارون بين الكلمات العابره منكم السيف - ومنا دمنا منكم الفولاذ والنار - ومنا لحمنا منكم دبابة أخرى - ومنا حجر منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر وعلينا ما عليكم من سماء وهواء فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء.. وعلينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء! أيها المارون بين الكلمات العابره كالغبار المر، مروا أينما شئتم ولكن لا تمروا بيننا كالحشرات الطائره فلنا في أرضنا ما نعمل ولنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا ولنا ما ليس يرضيكم هنا: حجر.. أو خجل فخذوا الماضي، إذا شئتم، إلى سوق التحف وأعيدوا الهيكل العظمى للهدهد، إن شئتم، على صحن خزف. فلنا ما ليس يرضيكم: لنا المستقبل ولنا في أرضنا ما نعمل أيها المارون بين الكلمات العابره كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، وانصرفوا وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس أو إلى توقيت موسيقى مسدس! فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا ولنا ما ليس فيكم، وطن ينزف شعبا ينزف وطنا يصلح للنسيان أو للذاكره.. أيها المارون بين الكلمات العابره، آن أن تنصرفوا وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا فلنا في أرضنا ما نعمل ولنا الماضي هنا ولنا صوت الحياة الأول ولنا الحاضر، والحاضر، والمستقبل ولنا الدنيا هنا... والآخره فاخرجوا من أرضنا من برنا.. من بحرنا من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا من كل شيء، واخرجوا من ذكريات الذاكره أيها المارون بين الكلمات العابره |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
عصافير الجليل نلتقي بعد قليل بعد عام بعد عامين وجيلْ... ورَمَتْ في آلة التصوير عشرين حديقةْ وعصافيرَ الجليل. ومضتْ تبحث، خلف البحر، عن معنى جديد للحقيقة. - وطني حبل غسيل لمناديل الدم المسفوك في كل دقيقةْ وتمددتُ على الشاطئ رملاً... ونخيلْ. هِيَ لا تعرف- يا ريتا! وهبناكِ أنا والموتُ سِر الفرح الذابل في باب الجماركْ وتجدَّدنا، أنا والموت، في جبهتك الأولى وفي شبّاك دارك. وأنا والموت وجهان- لماذا تهربين الآنَّ من وجهي لماذا تهربين؟ ولماذا تهربين الآن ممّا يجعل القمح رموشَ الأرض، ممّا يجعل البركان وجهاً آخراً للياسمين؟... ولماذا تهربينْ ؟... كان لا يتعبني في الليل إلا صمتها حين يمتدُّ أمام الباب كالشارع... كالحيِّ القديمْ ليكن ما شئت - يا ريتا – يكون الصمتُ فأساً أو براويز نجوم أو مناخاً لمخاض الشجرةْ. إنني أرتشف القُبلَة من حدِّ السكاكين، تعالي ننتمي للمجزرةْ !... سقطت كالوَرَق الزائد أسرابُ العصافير بآبار الزمنْ... وأنا أنتشل الأجنحة الزرقاء يا ريتا، أنا شاهدةُ القبر الذي يكبرُ يا ريتا، أنا مَنْ تحفر الأغلالُ في جلديَ شكلاً للوطنْ... |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
تصبحون على وطن عندما يذهب الشهداء الى النوم أصحو وأحرسهم من هواة الرِّثاء أقول لهم : تُصبحون على وطن، من سحابٍ ومن شجرٍ، من سراب وماء أهنئُهُم بالسلامةِ من حادثِ المُستحيل ومن قيمة المذبح الفائضة وأسرقُ وقتَا لكي يسرقوني من الوقتِ. هل كُلُنا شهداء؟ وأهمس : يا أصدقائي اتركوا حائطاَ واحداً، لحبال الغسيل، اتركوا ليلةًَ للغناء اُعلِّق أسماءكم أين شئتم فناموا قليلاً، وناموا على سلم الكرمة الحامضة لأحرس أحلامكم من خناجر حُراسكم وانقلاب الكتاب على الأنبياء وكونوا نشيد الذي لا نشيد له عندما تذهبون إلى النوم هذا المساء أقول لكم : تصبحون على وطنٍ حمّلوه على فرس راكضه وأهمس : يا أصدقائي لن تصبحوا مثلنا ... حبل مشنقةٍ غامضه ! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
جواز سفر لم يعرفوني في الظلال التي تمتصُّ لوني في جواز السفرْ وكان جرحي عندهم معرضاً لسائح يعشق جمع الصور لم يعرفوني، آه... لا تتركي كفي بلا شمسٍ، لأن الشجر يعرفني... تعرفني كل أغاني المطر لا تتركيني شاحباً كالقمر! كلُّ العصافير التي لاحقتْ كفى على باب المطار البعيد كل حقول القمح، كل السجونِ، كل القبور البيض كل الحدودِ، كل المناديل التي لوَحتْ، كل العيونِ كانت معي، لكنهم قد أسقطوها من جواز السفر! عارٍ من الاسم، من الانتماء ْ؟ في تربة ربَّيتها باليدينْ؟ أيوب صاح اليوم ملء السماء: لا تجعلوني عبرة مرتين! يا سادتي! يا سادتي الأنبياء لا تسألوا الأشجار عن اسمها لا تسألوا الوديان عن أُمها من جبهتي ينشق سيف الضياء ومن يدي ينبع ماء النهر كل قلوب الناس... جنسيتي فلتسقطوا عني جواز السفر! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
يوميات جرح فلسطيني " رباعيات مهداة الى فدوى طوقان " (1) نحن في حل من التذكار فالكرمل فينا وعلى أهدبنا عشب الجليل لا تفولي : ليتنا نركض كالنهر اليها لا تقولي نحن في لحم بلادي, وهي فينا (2) لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمام ولذا لم يتفتت حبنا بين السلاسل نحن يا أختاه من عشرين عام نحن لا نكتب أشعاراً ولكنا نقاتل! (3) ذلك الظل الذي يسقطفي عينيك شيطان إله جاء من شهر حزيران لكي يعصب – بالشمس الجباه انه لون شهيدٍ انه طعم صلاةً انه يقتل أو يحيي, وفي الحالتين: آه! (4) أول الليل على عينيك كان في فؤادي قطرة من آخر الليل الطويل والذي يجمعنا الساعة في هذا المكان شارع العودة ..... من عصر الذبول! (5) صوتك الليلة سكين وجرح وضماد ونعاس جاء من صمت الضحايا أين أهلي؟ خرجوا من خيمة المنفي وعادوا مرة أخرى سبايا (6) كلمات الحب لم تصدأ ولكن الحبيب واقع في الأسر – ياحبي الذي حملني شرفات خلعتها الريح .. أعتاب بيوت وذنوب لم يسع قلبي سوى عينيك في يوم من الايام والآن اغتنى بالوطن!... (7) وعرفنا ما الذي يجعل صوت القبره خنجرا يلمع في وجه الغزاه وعرفنا ما الذي يجعل صمت المقبره مهرجاناً وبساتين حياه! (8) عندما كنت تغنين رأيت الشرفات تهجر الجدران والساحة ترتد الى خضر الجبل لم نكن نسمع موسيقى ولا نبصر لون الكلمات كان في الغرفة مليون بطل ! (9) في دمي من وجهه صيف ونبض مستعار عدت خجلان الى البيت, فقد خر على – جرحي شهيدا كان مأوى ليلة الميلاد كان الانتظار وأنا أقطف من ذاكراه عيدا (10) الندى والنار عيناه, اذا ازددت – اقترابا منه ... غنى وتبخرت على ساعده لحظه صمت وصلاه آه سميه كما شئت شهيدا إنه اجمل منا غادر الكوخ فتىً ثم اتى حين أتى وجه إله! (11) هذه الأرض التي تمتص جلد الشهداء تعد الصيف بقمح وكواكب فاعبديها نحن في احشائها ملح وماء وعلى أحضانها جرح ... يحارب (12) دمعتي في الحلق يا أخت, وفي عيني – نار وتحررت من الشكوى على باب الخليفه كل من ماتوا, ومن سوف يموتون على – باب النهار عانقوني, صنعوا مني قذيفة! يوميات جرح فلسطيني (13) منزل الأحباب مهجور, ويافا ترجمت حتى النخاع والتي تبحث عني لم تجد مني سوى جبهتها! اتركي لي كل هذا الموت يا اخت, اتركي – هذا الضياع فأنا اضفره نجما على نكبتها؟! (14) آه يا جرحي المكابر وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر انني العاشق والارض الحبيبة! (15) واذا استرسلت في الذكرى نما في جبهتي عشب الندم وتحسرت غلى شيء بعيد واذااستسلمت للشوق تبنيت أساطير العبيد وأنا أثرت أن أجعل من صوتي حصاةً و من الصخر نغم ! (16) جبهتي لا تحمل الظل وظلي لا اراه وأنا ابصق في الجرح الذي لا يشعل الليل جباه خبئي الدمعة للعيد فلن نبكي – سوى من فرحٍ ولنسم الموت في الساحة عرساً.... وحياة! (17) وترعرعت على الجرح وما قلت لامي ما الذي يجعلها في الليل خيمه أنا ما ضيعت ينبوعي وعنواني واسمي ولذا أبصرت في أسماها مليون نجمة ! (18) رايتي سوداء, والميناء تابوت, وظهري قنطره يا خريف العمر المنهار فينا يا ربيع العالم المولود فينا زهرتي حمراء و الميناء مفتوح, وقلبي شجره (19) لغتي صوت خرير الماء في نهر الزوابع ومرايا الشمس و الحنطة في ساحة حرب ربما أخطأت في التعبير احيانا ولكن كنت – لا اخجل - رائع عندما استبدلت بالقاموس قلبي ! (20) كان لا بد من الاعداء كي نعرف أنا توأمان كان لا بد من الرياح لكي نسكن جذع السنديان و لو ان السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب ظل طفلاً ضائع الجرح ... جبان (21) لك عندي كلمه لم أقلها بعد, فالظل على الشرفة يحتل القمر وبلادي ملحمه كنت فيها عازفاً, صرت وتر ! (22) عالم الآثار مشغول يتحليل الحجاره إنه يبحث عن عينيه في ردم الأساطير لكي يثبت أني عابر في الدرب لا عينان لي لا حرف في سفر الحضارة ! و انا أزرع أشجاري على مهلي و عن حبي أغني (23) غيمة الصيف التي يحملها ظهر الهزيمة علقت نسل السلاطين على حبل السراب وأنا ازددت التصاقاً بالتراب (24) آن لي أن أبدل اللفظة بالفعل وآن لي أن أثبت حبي للثرى و القبره فالعصا تفترس القيثار في هذا الزمان وأنا أصغر في المرآة , مذ لاحت لعيني شجره! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
عاشق من فلسطين عيونِك شوكةٌ في القلب توجعني... وأعبدُها وأحميها من الريحِ وأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أغمدها فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ ويجعل حاضري غدُها أعزَّ عليَّ من روحي وأنسى، بعد حينٍ، في لقاء العين بالعينِ بأنّا مرة كنّا، وراءَ الباب، إثنينِ! كلامُكِ... كان أغنيهْ وكنت أُحاول الإنشاد ولكنَّ الشقاء أحاط بالشفة الربيعيَّة كلامك، كالسنونو، طار من بيتي فهاجر باب منزلنا، وعتبتنا الخريفيَّه وراءك، حيث شاء الشوقُ... وانكسرت مرايانا فصار الحزن ألفينِ ولملمنا شظايا الصوت... لم نتقن سوى مرثيَّة الوطنِ! سنزرعها معاً في صدر جيتارِ وفق سطوح نكبتنا، سنعرفها لأقمارٍ مشوَّهةٍٍ...وأحجارِ ولكنّي نسيتُ... نسيتُ... يا مجهولةَ الصوتِ: رحيلك أصدأ الجيتار... أم صمتي؟! رأيتُك أمسِ في الميناءْ مسافرة بلا أهل... بلا زادِ ركضتُ إليكِ كالأيتامُ، أسأل حكمة الأجداد: لماذا تُسحبُ البيَّارة الخضراءْ إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناءْ وتبقى، رغم رحلتها ورغم روائح الأملاح والأشواق، تبقى دائماً خضراء؟ وأكتب في مفكرتي: أُحبُّ البرتقال. وأكرهُ الميناء وأَردف في مفكرتي: على الميناء وقفتُ. وكانت الدنيا عيونَ شتاءْ وقشر البرتقال لنا. وخلفي كانت الصحراء! رأيتُكِ في جبال الشوك راعيةً بلا أغنام مطارَدةً، وفي الأطلال... وكنت حديقتي، وأنا غريب الدّار أدقُّ الباب يا قلبي على قلبي... يقرم الباب والشبّاك والإسمنت والأحجار! رأيتكِ في خوابي الماء والقمحِ محطَّمةً. رأيتك في مقاهي الليل خادمةً رأيتك في شعاع الدمع والجرحِ. وأنتِ الرئة الأخرى بصدري... أنتِ أنتِ الصوتُ في شفتي... وأنتِ الماء، أنتِ النار! رأيتكِ عند باب الكهف... عند النار مُعَلَّقَةً على حبل الغسيل ثيابَ أيتامك رأيتك في المواقد... في الشوارع... في الزرائب... في دمِ الشمسِ رأيتك في أغاني اليُتم والبؤسِ! رأيتك ملء ملح البحر والرملِ وكنتِ جميلة كالأرض... كالأطفال... كالفلِّ وأُقسم: من رموش العين سوف أُخيط منديلا وأنقش فوقه شعراً لعينيكِ وإسماً حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلا... يمدُّ عرائش الأيكِ... سأكتب جملة أغلى من الشُهَدَاء والقُبَلِ: "فلسطينيةً كانتِ. ولم تزلِ!" فتحتُ الباب والشباك في ليل الأعاصيرِ على قمرٍ تصلَّب في ليالينا وقلتُ لليلتي: دوري! وراء الليل والسورِ... فلي وعد مع الكلمات والنورِ. وأنتِ حديقتي العذراءُ... ما دامت أغانينا سيوفاً حين نشرعها وأنتِ وفيَّة كالقمح... ما دامت أغانينا سماداً حين نزرعها وأنت كنخلة في البال، ما انكسرتْ لعاصفةٍ وحطّابِ وما جزَّت ضفائرَها وحوشُ البيد والغابِ... ولكني أنا المنفيُّ خلف السور والبابِ خُذينيَ تحت عينيكِ خذيني، أينما كنتِ خذيني، كيفما كنتِ أردِّ إليَّ لون الوجه والبدنِ وضوء القلب والعينِ وملح الخبز واللحنِ وطعم الأرض والوطنِ! خُذيني تحت عينيكِ خذيني لوحة زيتيَّةً في كوخ حسراتِ خذيني آيةً من سفر مأساتي خذيني لعبة... حجراً من البيت ليذكر جيلُنا الآتي مساربه إلى البيتِ! فلسطينيةَ العينين والوشمِ فلسطينية الإسمِ فلسطينية الأحلام والهمِّ فلسطينية المنديل والقدمَين والجسمِ فلسطينية الكلمات والصمتِ فلسنينية الصوتِ فلسطينية الميلاد والموتِ حملتُك في دفاتريَ القديمةِ نار أشعاري حملتُك زادَ أسفاري وباسمك، صحتُ في الوديانْ: خيولُ الروم!... أعرفها وإن يتبدَّل الميدان! خُذُوا حَذَراً... من البرق الذي صكَّته أُغنيتي على الصوَّانْ أنا زينُ الشباب، وفارس الفرسانْ أنا. ومحطِّم الأوثانْ. حدود الشام أزرعها قصائد تطلق العقبان! وباسمك، صحت بالأعداءْ: كلي لحمي إذا نمت ياديدانْ فبيض النمل لا يلد النسور وبيضةُُ الأفعى... يخبىء قشرُها ثعبانْ! خيول الروم... أعرفها وأعرف قبلها أني أنا زينُ الشباب، وفارس الفرسان! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
ريتا والبندقية بين ريتا وعيوني...بندقية والذي يعرف ريتا، ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية! ...وأنا قبَّلت ريتا عندما كانت صغيرة وأنا أذكر كيف التصقت بي، وغطت ساعدي أحلى ضفيرة وأنا أذكر ريتا مثلما يذكر عصفورٌ غديره آه... ريتا بينما مليون عصفور وصورة ومواعيد كثيرة أطلقت ناراً عليها...بندقية اسم ريتا كان عيداً في فمي جسم ريتا كان عرساً في دمي وأنا ضعت بريتا...سنتين وهي نامت فوق زندي سنتين وتعاهدنا على أجمل كأس، واحترقنا في نبيذ الشفتين وولدنا مرتين! آه... ريتا أي شيء ردَّ عن عينيك عينيَّ سوى إغفاء تين وغيوم عسلية قبل هذي البندقية! كان يا ما كان يا صمت العشيَّة قمري هاجر في الصبح بعيداً في العيون العسلية والمدينة كنست كل المغنين، وريتا بين ريتا وعيوني... بندقية.بندقية بندقية |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
تعاليم حُوريَّة فَكَّرتُ يومًا بالرحيل، فحطَّ حَسُّونٌ على يدها ونام. وكان يكفي أَن أُداعِبَ غُصْنَ دالِيَةٍ على عَجَلٍ... لتُدْركَ أَنَّ كأسَ نبيذيَ امتلأتْ. ويكفي أَن أنامَ مُبَكِّرًا لتَرَى مناميَ واضحًا، فتطيلُ لَيْلَتَها لتحرسَهُ... ويكفي أَن تجيء رسالةٌ منّي لتعرف أَنَّ عنواني تغيَّر، فوق قارِعَةِ السجون، وأَنَّ أَيَّامي تُحوِّمُ حَوْلَها... وحيالها أُمِّي تَعُدُّ أَصابعي العشرينَ عن بُعْدٍ. تُمَشِّطُني بخُصْلَةِ شعرها الذَهَبيّ. تبحثُ في ثيابي الداخليّةِ عن نساءٍ أَجنبيَّاتٍ، وَتَرْفُو جَوْريي المقطوعَ. لم أَكبَرْ على يَدِها كما شئنا: أَنا وَهِيَ، افترقنا عند مُنْحَدرِ الرُّخام... ولوَّحت سُحُبٌ لنا، ولماعزٍ يَرِثُ المَكَانَ. وأَنْشَأَ المنفى لنا لغتين: دارجةً... ليفهَمَها الحمامُ ويحفظَ الذكرى، وفُصْحى... كي أُفسِّرَ للظلال ظِلالَهَا! ما زلتُ حيًّا في خِضَمِّكِ. لم تَقُولي ما تقولُ الأُمُّ للوَلَدِ المريضِ. مَرِضْتُ من قَمَرِ النحاس على خيام البَدْوِ. هل تتذكرين طريق هجرتنا إلى لبنانَ، حَيْثُ نسيتِني ونسيتِ كيسَ الخُبْزِ [كان الخبزُ قمحيًّا]. ولم أَصرخْ لئلاَّ أُوقظَ الحُرَّاسَ. حَطَّتْني على كَتِفَيْكِ رائحةُ الندى. يا ظَبْيَةً فَقَدَتْ هُنَاكَ كِنَاسَها وغزالها... لا وَقْتَ حَوْلَكِ للكلام العاطِفيِّ. عَجَنْتِ بالحَبَقِ الظهيرةَ كُلَّها. وَخَبَزْتِ للسُّمَّاقِ عُرْفَ الدِيك. أَعْرِفُ ما يُخَرِّبُ قلبَكِ المَثْقُوبَ بالطاووس، مُنْذُ طُرِدْتِ ثانيةً من الفردوس. عالَمُنا تَغَيَّر كُلُّهُ، فتغيَّرتْ أَصواتُنا. حتّى التحيَّةُ بيننا وَقَعَتْ كزرِّ الثَوْبِ فوق الرمل، لم تُسْمِعْ صدًى. قولي: صباح الخير! قولي أيَّ شيء لي لتمنَحَني الحياةُ دَلالَها. هي أُختُ هاجَرَ. أُختُها من أُمِّها. تبكي مع النايات مَوْتى لم يموتوا. لا مقابر حول خيمتها لتعرف كيف تَنْفَتِحُ السماءُ، ولا ترى الصحراءَ خلف أَصابعي لترى حديقَتَها على وَجْه السراب، فيركُض الزَّمَنُ القديمُ بها إلى عَبَثٍ ضروريٍّ: أَبوها طار مثلَ الشَرْكَسيِّ على حصان العُرْس. أَمَّا أُمُّها فلقد أَعدَّتْ، دون أن تبكي، لِزَوْجَة زَوْجِها حنَّاءَها، وتفحَّصَتْ خلخالها... لا نلتقي إلاَّ وداعًا عند مُفْتَرَقِ الحديث. تقول لي مثلاً: تزوّجْ أَيَّةَ امرأة مِنَ الغُرَباء، أَجمل من بنات الحيِّ. لكنْ، لا تُصَدِّقْ أَيَّةَ امرأة سوايَ. ولا تُصَدِّقْ ذكرياتِكَ دائمًا. لا تَحْتَرِقْ لتضيء أُمَّكَ، تلك مِهْنَتُها الجميلةُ. لا تحنَّ إلى مواعيد الندى. كُنْ واقعيًّا كالسماء. ولا تحنّ إلى عباءة جدِّكَ السوداءِ، أَو رَشوَاتِ جدّتكَ الكثيرةِ، وانطلِقْ كالمُهْرِ في الدنيا. وكُنْ مَنْ أَنت حيث تكون. واحملْ عبءَ قلبِكَ وَحْدَهُ... وارجع إِذا اتَّسَعَتْ بلادُكَ للبلاد وغيَّرتْ أَحوالَها... أُمِّي تضيء نُجُومَ كَنْعَانَ الأخيرةَ، حول مرآتي، وتَرْمي، في قصيدتِيَ الأَخيرةِ، شَالَها! . |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
محود درويش وبس
يثلموووووووووووو قصائد رااااائعه |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
وعود من العاصفة وليكن ... لا بدّ لي أن أرفض الموت وأن أحرق دمع الأغنيات الراعفةْ وأُعري شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة فإذا كنت أغني للفرح خلف أجفان العيون الخائفة فلأن العاصفة وعدتني بنبيذ وبأنخاب جديدة وبأقواس قزح ولأن العاصفة كنّست صوت العصافير البليدة والغصون المستعارة عن جذوع الشجرات الواقفة وليكن ... لا بد لي أن أتباهى بك يا جرح المدينة أنت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة يعبس الشارع في وجهي فتحميني من الظل ونظرات الضغينة سأغني للفرح خلف أجفان العيون الخائفة منذ هبّت في بلادي العاصفة وعدتني بنبيذ وبأقواس قزح |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
حاله حصار (مقاطع) المقطع الأول هنا، عند مُنْحَدَرات التلال، أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت، قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ، نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ، وما يفعل العاطلون عن العمل: نُرَبِّي الأملْ. بلادٌ علي أُهْبَةِ الفجر. صرنا أَقلَّ ذكاءً، لأَنَّا نُحَمْلِقُ في ساعة النصر: لا لَيْلَ في ليلنا المتلألئ بالمدفعيَّة. أَعداؤنا يسهرون وأَعداؤنا يُشْعِلون لنا النورَ في حلكة الأَقبية. هنا، بعد أَشعار أَيّوبَ لم ننتظر أَحداً... سيمتدُّ هذا الحصارُ إلي أن نعلِّم أَعداءنا نماذجَ من شِعْرنا الجاهليّ. أَلسماءُ رصاصيّةٌ في الضُحى بُرْتقاليَّةٌ في الليالي. وأَمَّا القلوبُ فظلَّتْ حياديَّةً مثلَ ورد السياجْ. هنا، لا أَنا هنا، يتذكَّرُ آدَمُ صَلْصَالَهُ... يقولُ على حافَّة الموت: لم يَبْقَ بي مَوْطِئٌ للخسارةِ: حُرٌّ أَنا قرب حريتي. وغدي في يدي. سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي، وأولَدُ حُرّاً بلا أَبَوَيْن، وأختارُ لاسمي حروفاً من اللازوردْ... في الحصار، تكونُ الحياةُ هِيَ الوقتُ بين تذكُّرِ أَوَّلها. ونسيانِ آخرِها. هنا، عند مُرْتَفَعات الدُخان، على دَرَج البيت، لا وَقْتَ للوقت. نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلى الله: ننسي الأَلمْ. الألمْ هُوَ: أن لا تعلِّق سيِّدةُ البيت حَبْلَ الغسيل صباحاً، وأنْ تكتفي بنظافة هذا العَلَمْ. لا صدىً هوميريٌّ لشيءٍ هنا. فالأساطيرُ تطرق أبوابنا حين نحتاجها. لا صدىً هوميريّ لشيء. هنا جنرالٌ يُنَقِّبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ تحت أَنقاض طُرْوَادَةَ القادمةْ يقيسُ الجنودُ المسافةَ بين الوجود وبين العَدَمْ بمنظار دبّابةٍ... نقيسُ المسافَةَ ما بين أَجسادنا والقذائفِ بالحاسّة السادسةْ. أَيُّها الواقفون على العَتَبات ادخُلُوا، واشربوا معنا القهوةَ العربيَّةَ غقد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا. أَيها الواقفون على عتبات البيوت! اُخرجوا من صباحاتنا، نطمئنَّ إلى أَننا بَشَرٌ مثلكُمْ! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
حاله حصار (مقاطع) المقطع الثاني نَجِدُ الوقتَ للتسليةْ: نلعبُ النردَ، أَو نَتَصَفّح أَخبارَنا في جرائدِ أَمسِ الجريحِ، ونقرأ زاويةَ الحظِّ: في عامِ أَلفينِ واثنينِ تبتسم الكاميرا لمواليد بُرْجِ الحصار. كُلَّما جاءني الأمسُ، قلت له: ليس موعدُنا اليومَ، فلتبتعدْ وتعالَ غداً ! أُفكِّر، من دون جدوى: بماذا يُفَكِّر مَنْ هُوَ مثلي، هُنَاكَ على قمَّة التلّ، منذ ثلاثةِ آلافِ عامٍ، وفي هذه اللحظة العابرةْ؟ فتوجعنُي الخاطرةْ وتنتعشُ الذاكرةْ عندما تختفي الطائراتُ تطيرُ الحماماتُ، بيضاءَ بيضاءَ، تغسِلُ خَدَّ السماء بأجنحةٍ حُرَّةٍ، تستعيدُ البهاءَ وملكيَّةَ الجوِّ واللَهْو. أَعلى وأَعلى تطيرُ الحماماتُ، بيضاءَ بيضاءَ. ليت السماءَ حقيقيّةٌ قال لي رَجَلٌ عابرٌ بين قنبلتين الوميضُ، البصيرةُ، والبرقُ قَيْدَ التَشَابُهِ... عمَّا قليلٍ سأعرفُ إن كان هذا هو الوحيُ... أو يعرف الأصدقاءُ الحميمون أنَّ القصيدةَ مَرَّتْ، وأَوْدَتْ بشاعرها إلي ناقدٍ: لا تُفسِّر كلامي بملعَقةِ الشايِ أَو بفخِاخ الطيور! يحاصرني في المنام كلامي كلامي الذي لم أَقُلْهُ، ويكتبني ثم يتركني باحثاً عن بقايا منامي شَجَرُ السرو، خلف الجنود، مآذنُ تحمي السماءَ من الانحدار. وخلف سياج الحديد جنودٌ يبولون ـ تحت حراسة دبَّابة ـ والنهارُ الخريفيُّ يُكْملُ نُزْهَتَهُ الذهبيَّةَ في شارعٍ واسعٍ كالكنيسة بعد صلاة الأَحد... نحبُّ الحياةَ غداً عندما يَصِلُ الغَدُ سوف نحبُّ الحياة كما هي، عاديّةً ماكرةْ رماديّة أَو مُلوَّنةً.. لا قيامةَ فيها ولا آخِرَةْ وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ! قال لي كاتبٌ ساخرٌ: لو عرفتُ النهاية، منذ البدايةَ، لم يَبْقَ لي عَمَلٌ في اللٌّغَةْ إلي قاتلٍ: لو تأمَّلْتَ وَجْهَ الضحيّةْ وفكَّرتَ، كُنْتَ تذكَّرْتَ أُمَّك في غُرْفَةِ الغازِ، كُنْتَ تحرَّرتَ من حكمة البندقيَّةْ وغيَّرتَ رأيك: ما هكذا تُسْتَعادُ الهُويَّةْ إلى قاتلٍ آخر: لو تَرَكْتَ الجنينَ ثلاثين يوماً، إِذَاً لتغيَّرتِ الاحتمالاتُ: قد ينتهي الاحتلالُ ولا يتذكَّرُ ذاك الرضيعُ زمانَ الحصار، فيكبر طفلاً معافي، ويدرُسُ في معهدٍ واحد مع إحدى بناتكَ تارِيخَ آسيا القديمَ. وقد يقعان معاً في شِباك الغرام. وقد يُنْجبان اُبنةً (وتكونُ يهوديَّةً بالولادةِ). ماذا فَعَلْتَ إذاً ؟ صارت ابنتُكَ الآن أَرملةً، والحفيدةُ صارت يتيمةْ ؟ فماذا فَعَلْتَ بأُسرتكَ الشاردةْ وكيف أَصَبْتَ ثلاثَ حمائمَ بالطلقة الواحدةْ ؟ لم تكن هذه القافيةْ ضَرُوريَّةً، لا لضْبطِ النَغَمْ ولا لاقتصاد الأَلمْ إنها زائدةْ كذبابٍ على المائدةْ الضبابُ ظلامٌ، ظلامٌ كثيفُ البياض تقشِّرُهُ البرتقالةُ والمرأةُ الواعدة. الحصارُ هُوَ الانتظار هُوَ الانتظارُ على سُلَّمٍ مائلٍ وَسَطَ العاصفةْ وَحيدونَ، نحن وحيدون حتى الثُمالةِ لولا زياراتُ قَوْسِ قُزَحْ لنا اخوةٌ خلف هذا المدى. اخوةٌ طيّبون. يُحبُّوننا. ينظرون إلينا ويبكون. ثم يقولون في سرِّهم: ليت هذا الحصارَ هنا علنيٌّ.. ولا يكملون العبارةَ: لا تتركونا وحيدين، لا تتركونا. خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ. وعَشْرَةُ جرحى. وعشرون بيتاً. وخمسون زيتونةً... بالإضافة للخَلَل البُنْيويّ الذي سيصيب القصيدةَ والمسرحيَّةَ واللوحة الناقصةْ |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
إلى أمي أحنُّ إلى خبز أُمي وقهوة أُمي ولمسة أُمي.. وتكبرُ فيَّ الطفولةُ يومًا على صدر يومِ وأعشَقُ عمرِي لأني إذا مُتُّ، أخجل من دمع أُمي! خذيني، إذا عدتُ يومًا وشاحًا لهُدْبِكْ وغطّي عظامي بعشب تعمَّد من طهر كعبك وشُدّي وثاقي .. بخصلة شَعر .. بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبك .. عساني أصيرُ إلهًا إلهًا أصير .. إذا ما لمستُ قرارة قلبك ! ضعيني، إذا ما رجعتُ وقودًا بتنور ناركْ .. وحبل غسيل على سطح دارك لأني فقدتُ الوقوفَ بدون صلاة نهارك هَرِمْتُ، فردّي نجوم الطفولة حتى أُشارك صغار العصافير درب الرجوع .. لعُش انتظارِك ! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
هدنة مع المغول أمام غابة السنديان كائنات من السنْدِيان تُطيلُ الوقوفَ على التلّ.. قَد يصعَدُ العُشْبُ من خبزنا نحوها إِنْ تركنا المكانَ، وَقَدْ يهبط اللازوردُ السماويُّ منها إِلى الظلِّ فوق الحصونْ. مَنْ سيملأ فُخَّارنا بعدنا? مَنْ يُغيِّرُ أَعداءنا عندما يعرفونْ أَننا صاعدون إِلى التلِّ كي نمدَحَ الله.. في كائناتٍ من السنديانْ? كلُّ شيء يدلُّ على عَبَث الريح، لكننا لا نَهُبُّ هباءْ رُبَّما كان هذا النهارُ أَخَفَّ علينا من الأَمس، نحن الذينْ قد أَطالوا المكوثَ أَمام السماء، ولم يعبدوا غير ما فَقَدُوا من عبادتهمْ. رُبَّما كانت الأَرضُ أَوسعَ من وَصْفها. ربما كان هذا الطريقُ دخولاً مع الريح.. في غابة السنديانْ الضحايا تَمُرُّ من الجانبينْ، تقول كلامًا أَخيرًا وتسقط في عالَمٍ واحدٍ. سوف ينتصرُ النسْرُ والسنديانُ عليها، فلا بُدَّ مِنْ هُدْنَةٍ للشقائق في السهل كي تُخْفِيَ الميتين على الجانبين، وكيْ نَتَبَادَلَ بَعْضَ الشتائم قبل الوصول إِلى التلّ. لا بُدَّ مِنْ تَعَبٍ آدميّ يُحَوِّل تلك الخيولَ إِلى.. كائناتٍ من السنديانْ الصدى واحدٌ في البراري: صدى. والسماءُ على حجر غرْبَةٌ عَلَّقتْها الطيورُ على لا نهايات هذا الفضاء، وطارتْ.. والصدى واحدٌ في الحروب الطويلة: أُمٌّ، أَبٌ، وَلَدٌ صَدَّقوا أَنَّ خلف البحيرات خيلاً تعود إِليهم مُطَهَّمةً بالرجاء الأَخيرْ فأَعدُّوا لأحلامهم قهوةً تمنع النومَ.. في شَبَح السنديانْ كُلُّ حربٍ تُعَلِّمنا أَن نحبَّ الطبيعة أَكثرَ: بعد الحصارْ نَعْتَني بالزنابقِ أَكثرَ، نقطف قُطْنَ الحنان من اللَوْزِ في شهر آذارَ. نزرع غاردينيا في الرخام، ونَسْقي نباتاتِ جيراننا عندما يذهبون إِلى صَيْد غزلاننا. فمتى تَضَعُ الحربُ أَوزارها كي نفُكَّ خُصُورَ النساء على التلّ.. من عُقدة الرَّمز في السنديانْ? ليت أَعداءَنا يأخذون مقاعدنا في الأَساطير، كي يعلموا كم نُحبُّ الرصيفَ الذي يكرهون.. ويا ليتهم يأخذونْ ما لنا من نُحاس وبرْق.. لنأخذ منهم حرير الضجرْ ليت أَعداءنا يقرأون رسائلنا مرتين، ثلاثًا.. ليعتذروا للفراشة عن لعبة النار.. في غابة السنديانْ كم أَردنا السلامَ لسيِّدنا في الأَعالي.. لسيدنا في الكُتُبْ كم أَردنا السلامَ لغازلة الصُوف.. للطفل قرب المغارةْ لِهُواة الحياة.. لأَولاد أَعدائنا في مخابئهمْ.. للمَغُولْ عندما يذهبون إِلى ليل زوجاتهم، عندما يرحلونْ عن براعم أَزهارنا الآن.. عَنَّا، وعن وَرق السنديانْ الحروب تُعَلِّمنا أَن نذوق الهواء وأَن نمدح الماء. كَمْ ليلةً سوف نفرح بالحُمُّص الصلْب والكستنا في جيوب معاطفنا? أَمْ سننسى مهارتنا في امتصاص الرذاذ? ونسأَل: هَلْ كان في وُسْع مَنْ مات أَلاَّ يموت ليبدأ سيرتَهُ من هنا? رُبَّما.. رُبَّما نستطيع مديح النبيذ ونرفعُ نخْبًا لأَرملة السنديانْ كُلُّ قَلْبٍ هنا لا يردُّ على الناي يسقط في شَرَك العنكبوت. تمهَّلْ تمهَّلْ لتسمع رَجْعَ الصدى فوق خيل العَدُوّ، فإِنَّ المغُول يُحبُّون خمرتنا ويريدون أَن يَرْتَدوا جلد زوجاتنا في الليالي، وأَنْ يأخذوا شعراء القبيلة أَسرى، وأَنْ يقطعُوا شَجَرَ السنديانْ المغُول يريدوننا أَن نكون كما يبتغون لنا أن نكونْ حفنةً من هبوب الغبار على الصين أَو فارسٍ، ويريدوننا أَن نُحبَّ أَغانِيَهُمْ كُلَّها كي يَحُلَّ السلامُ الذي يطلبونْ.. سوف نحفظ أَمثالهم.. سوف نغفر أَفعالَهُم عندما يذهبونْ مَعَ هذا المساء إِلى ريح أَجدادهمْ خلفَ أُغنيةِ السنديانْ لمْ يجيئوا لينتصروا، فالخرافةُ ليست خرافتَهُمْ. إِنهم يهبطونْ من رحيل الخيول إِلى غرب آسيا المريضِ، ولا يعرفونْ أَنَّ في وسعنا أَن نقاوم غازان - أَرغون أَلفَ سَنَةْ بَيْدَ أَن الخرافةَ ليست خرافتَهُ. سوف يدخل عَمَّا قليلْ دينَ قتلاهُ كي يتعلَّم منهم كلامَ قُرَيش.. ومعجزةَ السنديانْ الصّدَى واحدٌ في الليالي. على قمّة الليل نُحْصي النجومَ على صدر سَيِّدنا، عُمْرَ أَولادنا - كبروا سَنَةً بعدنا - غَنَمَ الأَهل تحت الضباب، وأَعدادَ قتلى المغول، وأَعدادَنا والصدى واحدٌ في الليالي: سنرجع يومًا، فلا بُدَّ من شاعرٍ فارسيٍّ لهذا الحنين.. إِلى لُغَةِ السنديانْ الحُروبُ تعلِّمنا أَن نحبَّ التفاصيل: شكْل مفاتيحِ أَبوابنا، أن نُمَشِّطَ حنطتنا بالرموش، ونمشي خِفَافًا على أرضنا، أَن نقدِّسَ ساعاتِ قبل الغروب على شجر الزَّنْزَلَخْت.. والحروبُ تُعَلِّمُنا أَن نرى صورة الله في كل شيء، وأَنْ نَتَحَمَّل عبء الأَساطير كي نُخْرِجَ الوحشَ.. من قصَّة السنديانْ كم سنضحك من سُوس خُبْز الحروب ومن دُودِ ماء الحروب، إِذا ما انتصرنا نُعَلِّقُ أَعلامنا السودَ فوق حبال الغسيلْ ثم نَصْنَع منها جواربَ.. أَما النشيدُ، فلا بُدَّ من رَفْعِهِ في جنازات أَبطالنا الخالدين.. وأَما السبايا، فلا بُدَّ من عَتْقهنَّ، ولا بُدَّ من مَطَرٍ فَوق ذاكرة السنديانْ خَلْفَ هذا المساء نرى ما تبقَّى من الليل، عما قليلْ يشرب القَمَرُ الحُرُّ شايَ المُحَارب تحت الشجَرْ قَمَرٌ واحدٌ للجميع على الخندقين لَهُمْ ولنا، هَلْ لَهُمْ خلف تلك الجبال بيوتٌ من الطين، شايٌ، ونايٌ? وهَلْ عندهُمْ حَبَقٌ مثلنا يُرجع الذاهبين من الموت... في غابة السنديانْ? .. وأَخيرًا، صعدْنا إِلى التَلِّ. ها نحن نرتفع الآن فوق جذوع الحكاية.. ينبت عُشْبٌ جديد على دمنا وعلى دمهِمْ. سوف نحشو بنادقنا بالرياحين، سوف نُطَوِّق أَعناقَ ذاك الحمام بأَوسمة العائدين.. ولكننا لم نجد أَحدًا يقبل السِّـلْم.. لا نحن نحن ولا غيرنا غيرنا البنَادِقُ مكسورة.. والحمامُ يطير بعيدًا بعيدًا لم نجد أَحدًا ههُنا.. لم نجد أَحدًا.. لم نجد غابة السنديانْ! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
عن إنسان وضعوا على فمه السلاسل ْربطوا يديه بصخرة الموتى، وقالوا: أنت قاتلْ *** أخذوا طعامَهُ، والملابسَ، والبيارقْ ورموه في زنزانةالموتى، وقالوا : أنت سارقْ! طردوه من كل المرافئْ أخذوا حبيبتهالصغيرة، ثم قالوا: أنت لاجئْ! *** يا دامي العينين، والكفين! إن الليل زائلْ لا غرفةُ التوقيف باقيةٌ ولا زَرَدُ السلاسلْ! نيرون مات، ولم تمت روما... بعينيها تقاتلْ! وحبوبُ سنبلةٍ تموت ستملأُ الوادي سنابلْ... ! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
رسالة إلى ملك الإحتضار للحقيقة وجهان، والثلج أسود فوق مدينتنا لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا، والنهاية تمشى الى السور واثقة من خطاها فوق هذا البلاط المبلل بالدمع، واثقة من خطاها من سينزل أعلامنا: نحن أم هم؟ ومن سوف يتلو علينا (معاهدة الصلح) يا ملك الاحتضار؟ كل شىء معد سلفا، من سينزع أسماءنا عن هويتنا: أنتم أم هم؟ ومن سوف يزرع فينا خطبة التيه: لم تستطع أن تفك الحصار فلنسلم مفاتيح فردوسنا لوزير السلام، وننجو.. للحقيقة وجان، كان الشعار المقدس سيفا لنا وعلينا ، فماذا فعلت بقلعتنا قبل هذا النهار لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة ، لكن.. عرشك نعشك فاحمل النعش كى تحفظ العرش يا ملك الانتظار ان هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار.. من سيدفن أيامنا بعدنا: أنت .. أم هم؟ ومن سوف يرفع راياتهم فوق أسوارنا: أنت.. أم فارس يائس ؟ من يعلق لأجراسهم فوق رحلتنا أنت.. أم حارس بائس؟ كل شىء معد لنا فلماذا تطيل التفاوض، يا ملك الاحتضار ؟ وأنا واحد من ملوك النهاية.. أقفز عن فرسى فى الشتاء الأخير، أنا زفرة العربى الأخيرة لا أطفل على الآس فوق سطوح البيوت، ولا أتطلع حولى لئلا يرانى هنا أحد كان يعرفنى كان يعرف انى صقلت رخام الكلام لتعبر امرأتى بقع الضوء، حافية، لا أطل على الظل كى لا أرى أحدا يحمل اسمى ويركض خلفى: خذ اسمك عنى واعطنى فضة الحور لا أتلفت خلفى لئلا أتذكرانى مررت على الأرض لا أرض فى هذه الأرض منذ تكسر حولى الزمان شظايا شظايا لم أكن عاشقا كى أصدق ان المياه مرايا مثلما قلت للأصدقاء القدامى، ولا حب يشفع لى مذ قبلت (معاهدة الصلح) لم يبق لى حاضر كى أمر غدا قرب أمسى سترفع قشتالة تاجها فوق مئذنة الله أسمع خشخشة للمفاتيح فى باب تاريخنا الذهبى وداعا لتاريخنا هل أنا من سغلق باب السماء الأخير؟ أنا زفرة العربى الأخيرة !! حمدون عقلك لم يزل مخدوعا وزمام حكمك لم يزل مقطوعا مازلت يا حمدون غرا تابعا وتظن نفسك قائدا متبوعا حمدون أنت الرمز سمك لم يزل يجرى بأفئدة الطغاة نقيعا خضب يمينك بالدماء وقل لنا إنى أنفذ أمرى المشروعا اسرق غذاء الجائعين وقل لنا إنى أحارب فى البلاد الجوعا قطع رؤوس المصلحين فإنهم يبغون منك إلى الاله رجوعا واملأ سجونك ثم قل انى هنا لأحارب الارهاب والتقطيعا طارد بجندك كل صاحب مبدأ يأبى لقانون الضلال خضوعا واركض وراء شبابنا لأنهم رفعوا الجباه وحاربوا التطبيعا هم يصعدون الى السماء وأنت فى أوحال وهمك ما تزال وضعيا هم يلجأون الى الاله وأنت لا يرضيك إلا أن تسوق قطيعا هم ينظرون بأعين مجلوة فيرون فعلك فى العباد شنيعا عرفوا حقيقة سحر من جمعتهم ورأوا عصا موسى تخيف جموعا ورأوا جباه الساحرين تعفرت سجدوا لرب العالمين خشوعا ورأوك تستبقى النساء رهائنا وتدير قتلا فى الرجال فظيعا ورأوك فى غى التطاول سادرا فتبرأوا مما جنيت جميعا نظروا إليك فأنكروك لنهم عرفوك فى طرق الخداع ضليعا لك كل يوم قولة تلغى بها ما قلت أمس، وتحسن الترقيعا ما انت يا حمدون إلا حرة تأبى الى غير العفاف نزوعا لكنها سلبت عباءة طهرها وخلعت أنت حجابها لتضيعا وأكلت أصناف الطعام ونحن فى ضنك شديد لا تنل رضيعا عجباً، متى تبنى لنفسك منزلا فى الحق، تملأ مقلتيك دموعا أتظن هامان الذى استنجدته مازال يوقد للولاء شموعا أتظنه مازال يبنى صرحه حتى تطيق الى السماء طلوعا أنسيت قارون الذى زرع الهوى فى قلبه حتى استطال فروعا خسفت به الأرض التى أبدى لها خيلاء وغدا بها مخدوعا ضاعت مفاتيح الخزائن واختفى قارون، لم ير فى العباد شفيعا سل عنه أرضك حين لم تترك له أثراً ولا للصوت منه سميعا أنسيت يا حمدون انك غارق فى اليم، تعصر قلبك المفجوعا أـنسيت رهو البحر حين ولجته فرأيت نفسك فى الخضم صريعا شرق وغرب كيف شئت فإننا لانجهل التطبيل والتلميعا أبشر فإن الفجر سوف يريق من كأس الظلام شرابك المنقوعا ولسوف تفتح صفحة عزها ولسوف يغدو رأسها مرفوعا حمدون لا يخدعك وهمك اننى ابصرت طفلا فى حماك رضيعا سلام |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
قصيدة جدارية محمود درويش هذا هو اسمكَ قالتِ امرأة وغابت في الممرّ اللولبي... أرى السماء هُناكَ في متناولِ الأيدي. ويحملني جناحُ حمامة بيضاءَ صوبَ طفولة أخرى. ولم أحلم بأني كنتُ أحلمُ. كلُّ شيء واقعيّ. كُنتُ أعلمُ أنني ألقي بنفسي جانباً... وأطيرُ. سوف أكون ما سأصيرُ في الفلك الأخيرِ. وكلُّ شيء أبيضُ، البحرُ المعلَّق فوق سقف غمامة بيضاءَ. واللا شيء أبيضُ في سماء المُطلق البيضاء. كُنتُ، ولم أكُن. فأنا وحيد في نواحي هذه الأبديّة البيضاء. جئتُ قُبيَل ميعادي فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي: "ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا؟" ولم أسمع هتَافَ الطيَبينَ، ولا أنينَ الخاطئينَ، أنا وحيد في البياض، أنا وحيدُ... لا شيء يُوجِعُني على باب القيامةِ. لا الزمانُ ولا العواطفُ. لا أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أو ثقل الهواجس. لم أجد أحداً لأسأل: أين "أيني" الآن؟ أين مدينة الموتى، وأين أنا؟ فلا عدم هنا في اللا هنا... في اللا زمان، ولا وُجُودُ وكأنني قد متُّ قبل الآن... أعرفُ هذه الرؤية وأعرفُ أنني أمضي إلى ما لستُ أعرفُ. رُبَّما ما زلتُ حيّاً في مكان ما، وأعرفُ ما أريدُ... سأصير يوماً فكرةً. لا سيفَ يحملُها إلى الأرض اليباب، ولا كتابَ... كأنها مطر على جبل تصدَّع من تفتُّحِ عُشبة، لا القُوَّةُ انتصرت ولا العدلُ الشريدُ سأصير يوماً ما أريدُ سأصير يوماً طائراً، وأسُلُّ من عدمي وجودي. كُلَّما احترقَ الجناحانِ اقتربت من الحقيقةِ. وانبعثتُ من الرماد. أنا حوارُ الحالمين، عَزفتُ عن جسدي وعن نفسي لأكملَ رحلتي الأولى إلى المعاني، فأحرقني وغاب. أنا الغيابُ، أنا السماويُّ الطريدُ. سأصير يوماً ما أريدُ سأصير يوماً شاعراً، والماءُ رهنُ بصيرتي. لُغتي مجاز للمجاز، فلا أقول ولا أشيرُ إلى مكان. فالمكان خطيئتي وذريعتي. أنا من هناك. "هُنايَ" يقفزُ من خُطايَ إلى مُخيّلتي... أنا من كنتُ أو سأكون يصنعُني ويصرعُني الفضاءُ اللانهائيُّ المديدُ. سأصير يوماً ما أريدُ سأصيرُ يوماً كرمةً، فليعتصرني الصيفُ منذ الآن، وليشرب نبيذي العابرون على ثُريّات المكان السكّريِّ! أنا الرسالةُ والرسولُ أنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ سأصير يوماً ما أريدُ هذا هوَ اسمُكَ قالتِ امرأة، وغابت في ممرِّ بياضها هذا هو اسمُكَ، فاحفظِ اسمكَ جيِّداً! لا تختلف معهُ على حرف ولا تعبأ براياتِ القبائلِ، كُن صديقاً لاسمك الأفقَيِّ جرِّبهُ مع الأحياء والموتى ودرِّربهُ على النُطق الصحيح برفقة الغرباء واكتبهُ على إحدى صُخور الكهف، يا اسمي: سوف تكبرُ حين أكبرُ الغريبُ أخُو الغريب سنأخذُ الأنثى بحرف العلَّة المنذور للنايات. يا اسمي: أين نحن الآن؟ قل: ما الآن، ما الغدُ؟ ما الزمانُ وما المكانُ وما القديمُ وما الجديدُ؟ سنكون يوماً ما نريدُ (...). |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
احبك أكثر تَكَبَّرْ…تَكَبَّر! فمهما يكن من جفاك ستبقى، بعيني ولحمي، ملاك وتبقى، كما شاء لي حبنا أن أراك نسيمك عنبر وأرضك سكَّر وإني أحبك… أكثر يداك خمائلْ ولكنني لا أغني ككل البلابلْ فإن السلاسلْ تعلمني أن أقاتلْ أقاتل… أقاتل لأني أحبك أكثر! غنائي خناجر وردْ وصمتي طفولة رعد وزنبقة من دماء فؤادي، وأنت الثرى والسماء وقلبك أخضر…! وَجَزْرُ الهوى، فيك، مَدّ فكيف، إذن، لا أحبك أكثر وأنت، كما شاء لي حبنا أن أراك: نسيمك عنبر وأرضك سكَّر وقلبك أخضر…! وإنِّي طفل هواك على حضنك الحلو أنمو وأكبر! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
أجمل حب كما ينبت العشب بين مفاصل صخرةْ وُجدنا غريبين يوما وكانت سماء الربيع تؤلف نجماً... ونجما وكنت أؤلف فقرة حب... لعينيكِ... غنيتها! أتعلمُ عيناكِ أني انتظرت طويلا كما انتظرَ الصيفَ طائرْ ونمتُ... كنوم المهاجرْ فعينٌ تنام، لتصحوَ عين... طويلا وتبكي على أختها، حبيبان نحن، إلى أن ينام القمر ونعلم أن العناق، وأن القبل طعام ليالي الغزل وأن الصباح ينادي خطاي لكي تستمر على الدرب يوماً جديداً! صديقان نحن، فسيري بقربيَ كفاً بكف معاً، نصنع الخبز والأغنيات لماذا نسائل هذا الطريق... لأي مصير يسير بنا؟ ومن أين لملم أقدامنا؟ فحسبي، وحسبك أنا نسير... معاً، للأبد لماذا نفتش عن أُغنيات البكاء بديوان شعر قديم؟ ونسأل: يا حبنا! هل تدوم؟ أُحبكِ حُبَّ القوافل واحةَ عشب وماء وحب الفقير الرغيف! كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة وجدنا غريبين يوماً ونبقى رفيقين دوماً. |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
ليس سوى العراق أَتذكَّرُ السيّابَ، يصرخُ في الخليج سُدى عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق.. ولا يردُّ سوى الصدى أتذكَّرُ السيَّاب.. في هذا الفضاء السُومَريِّ تغلبَتْ أنُثي علي عُقم السديمِ، وأورَثتنا الأرضَ والمنفى معا. أتذكَّرُ السيَّابَ... إن الشعَر يُولدُ في العراق، فكُنْ عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي! أَتذكر السيَّاب... لم يَجِد الحياةَ كما تَخيَّل بين دجلةَ والفراتِ، فلم يُفكِّرْ مثلَ جلجامشْ بأعشابِ الخلود. ولم يفكِّر بالقيامة بعدها... أتذكَّرُ السيَّاب... يأخذُ عن حمورابي الشرائعَ كي يُغَطي سَوْءةً ويسير نحو ضريحه أتذكَّرُ السيَّاب، حين أُصَابُ بالحُمَّي وأهْذِي إخوتي كانوا يُعدُّون العشاءَ لجيش هولاكو، ولا خَدَمٌ سواهُمْ... إخوتي! أتذكر السيّاب... لم نحلم بما لا يستحق النَحْلُ من قُوتٍ، ولم نحلم بأكثَر من يَدَينِ صغيرتين تُصافحان غيابنا... أتذكرُ السيَّابَ... حدَّادون مَوْتي ينهضون من القبور ويصنعون قُيُودَنا! أتذكَّرُ السيَّابَ... إنَّ الشعر تجرَبةٌ ومنفي، توأمان، ونحن لم نحلم بأكثَر من حياةٍ كالحياة، وأن نموت على طريقتِنا عِراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق . |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
يختارني الايقاع يختارُني الإيقاعُ، يَشْرَقُ بي أنا رَجْعُ الكمان، ولستُ عازِفَهُ أنا في حضرة الذكرى صدى الأشياء تنطقُ بي فأنطقُ... كُلَّما أصغيتُ للحجرِ استمعتُ الى هديلِ يَمامةٍ بيضاءَ تشهَق بي: أخي! أنا أُخْتُكَ الصُّغْرى، فأَذرف باسمها دَمْعَ الكلامِ وكُلَّما أَبْصَرْتُ جذْعَ الزّنْزَلخْتِ على الطريق الى الغمامِ، سمعتُُ قلبِ الأُمِّ يخفقُ بي: أنا امرأة مُطلَّقةٌ، فألعن باسمها زيزَ الظلامِ وكُلَّما شاهدتُ مرآةً على قمرٍ رأيتُ الحبّ شيطاناً يُحَمْلِقُ بي: أنا ما زلْتُ موجوداً ولكن لن تعود كما تركتُك لن تعود، ولن أعودَ فيكملُ الإيقاعُ دَوْرَتَهُ ويشرَقُ بي... |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
لي حكمة المحكوم بالاعدام ليَ حكمةُ المحكوم بالإعدامِ: لا أشياءَ أملكُها لتملكني، كتبتُ وصيَّتي بدمي: "ثِقُوا بالماء يا سُكّان أُغنيتي!" ونِمْتُ مُضرّجاً ومتوَّجاً بغدي... حلِمْتُ بأنّ قلب الأرض أكبرُ من خريطتها، وأوضحُ من مراياها ومِشْنَقتي. وهِمْتُ بغيمةٍ بيضاء تأخذني الى أعلى كأنني هُدْهُدٌ، والريحُ أجنحتي. وعند الفجر، أَيقظني نداءُ الحارس الليليِّ من حُلْمي ومن لغتي: ستحيا ميتةً أخرى، فعدِّلْ في وصيّتك الأخيرة، قد تأجَّل موعدُ الإعدام ثانيةً سألت: الى متى؟ قال: أنتظر لتموت أكثر قلتُ: لا أشياء أملكها لتملكني كتبتُ وصيّتي بدمي: "ثِقُوا بالماء يا سُكّان أغنيتي!" وأنا، وإن كنت الأخير وأنا، وإن كُنْتُ الأخيرَ، وجدْتُ ما يكفي من الكلماتِ... كلُّ قصيدةٍ رسمٌ سأرسم للسنونو الآن خارطةَ الربيعِ وللمُشاة على الرصيف الزيزفون وللنساء اللازوردْ... وأنا، سيحمِلُني الطريقُ وسوف أحملُهُ على كتفي الى أن يستعيدَ الشيءُ صورتَهُ، كما هي، واسمَه الأصليّ في ما بعد/ كلُّ قصيدة أُمٌّ تفتش للسحابة عن أخيها قرب بئر الماء: "يا ولدي! سأعطيك البديلَ فإنني حُبْلى..."/ وكُلُّ قصيدة حُلمٌ: "حَلِمْتُ بأنّ لي حلماً" سيحملني وأحملُهُ الى أن أكتب السطر الأخيرَ على رخام القبرِ: "نِمْتُ... لكي أطير" ... وسوف أحمل للمسيح حذاءَهُ الشتويَّ كي يمشي، ككُلِّ الناس، من أعلى الجبال... الى البحيرة |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
في بيت أمي في بيت أُمِّي صورتي ترنو إليّ ولا تكفُّ عن السؤالِ: أأنت، يا ضيفي، أنا؟ هل كنتَ في العشرين من عُمري، بلا نظَّارةٍ طبيةٍ، وبلا حقائب؟ كان ثُقبٌ في جدار السور يكفي كي تعلِّمك النجومُ هواية التحديق في الأبديِّ... ]ما الأبديُّ؟ قُلتُ مخاطباً نفسي[ ويا ضيفي... أأنتَ أنا كما كنا؟ فمَن منا تنصَّل من ملامحِهِ؟ أتذكُرُ حافرَ الفَرَس الحرونِ على جبينكَ أم مسحت الجُرحَ بالمكياج كي تبدو وسيمَ الشكل في الكاميرا؟ أأنت أنا؟ أتذكُرُ قلبَكَ المثقوبَ بالناي القديم وريشة العنقاء؟ أم غيّرتَ قلبك عندما غيّرتَ دَربَكَ؟ قلت: يا هذا، أنا هو أنت لكني قفزتُ عن الجدار لكي أرى ماذا سيحدث لو رآني الغيبُ أقطِفُ من حدائقِهِ المُعلَّقة البنفسجَ باحترامً... ربّما ألقى السلام، وقال لي: عُدْ سالماً... وقفزت عن هذا الجدار لكي أرى ما لا يُرى وأقيسَ عُمْقَ الهاويةْ |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
هو هادئٌ، وأنا كذلك هوَ هادئٌ، وأنا كذلك يحتسي شاياً بليمونٍ، وأشربُ قهوةً، هذا هو الشيءُ المغايرُ بيننا. هوَ يرتدي، مثلي، قميصاً واسعاً ومُخططاً وأنا أطالعُ، مثلَهُ، صُحُفَ المساءْ. هو لا يراني حين أنظرُ خلسةً، أنا لا أراه حين ينظرُ خلسةً، هو هادئٌ، وأنا كذلك. يسألُ الجرسون شيئاً، أسألُ الجرسونَ شيئاً... قطةٌ سوداءُ تعبُرُ بيننا، فأجسّ فروةَ ليلها ويجسُّ فروةَ ليلها... أنا لا أقول لَهُ: السماءُ اليومَ صافيةٌ وأكثرُ زرقةً. هو لا يقول لي: السماءُ اليوم صافيةٌ. هو المرئيُّ والرائي أنا المرئيُّ والرائي. أحرِّكُ رِجْليَ اليُسرى يحرك رجلَهُ اليُمنى. أدندنُ لحن أغنيةٍ، يدندن لحن أغنية مشابهةٍ. أفكِّرُ: هل هو المرآة أبصر فيه نفسي؟ ثم أنظر نحو عينيه، ولكن لا أراهُ... فأتركُ المقهى على عجلٍ. أفكّر: رُبَّما هو قاتلٌ، أو رُبما هو عابرٌ قد ظنَّ أني قاتلٌ هو خائفٌ، وأنا كذلك! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
الظلّ الظلُّ، لاذَكرٌ ولا أنثى رماديٌّ، ولو أشعلْتُ فيه النارَ... يتبعُني، ويكبرُ ثُمَّ يصغرُ كنت أمشي. كان يمشي كنت أجلسُ. كان يجلسُ كنت أركضُ. كان يركضُ قلتُ: أخدعُهُ وأخلعُ معطفي الكُحْليَّ قلَّدني، وألقي عنده معطفَهُ الرماديَّ... استدَرْتُ الى الطريق الجانبيةِ فاستدار الى الطريق الجانبية. قلتُ: أخدعُهُ وأخرجُ من غروب مدينتي فرأيتُهُ يمشي أمامي في غروب مدينةٍ أخرى... فقلت: أعود مُتّكئاً على عكازتين فعاد متكئاً على عكازتين فقلت: أحمله على كتفيَّ، فاستعصى... فقلتُ: إذنْ، سأتبعُهُ لأخدعهُ سأتبعُ ببغاء الشكل سخريةً أقلِّد ما يُقلِّدني لكي يقع الشبيهُ على الشبيه فلا أراهُ، ولا يراني. |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
أحمد الزعتر ليدين من حَجَر وزعترْ هذا النشيدُ... لأحمدَ المنسيِّ بين فراشتين مَضَتِ الغيومُ وشرَّدتني ورمتْ معاطِفها الجبالُ وخبأتني. ... نازلاً من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل البلاد وكانت السنةُ انفصال البحر عن مدن الرماد وكنتُ وحدي ثم وحدي... آه يا وحدي؟ وأحمدْ *** كان اغترابَ البحر بين رصاصتين مُخيَّماً ينمو، ويُنجب زعتراً ومقاتلين وساعداً يشتدُ في النسيان ذاكرةً تجيء من القطارات التي تمضي وأرصفةً بلا مستقبلين وياسمين كان اكتشافَ الذات في العرباتِ أو في المشهد البحريِّ في ليل الزنازين الشقيقةِ في العلاقات السريعة والسؤال عن الحقيقةْ في كلِّ شيء كان أحمدُ يلتقي بنقيضهِ عشرين عاماً كان يسألْ عشرين عاماً كان يرحلْ عشرين عاماً لم تلدهُ أمُّهُ إلا دقائق في إناء الموز وانسَحَبَتْ. يريد هويةً فيصاب بالبركان، سافرتِ الغيومُ وشرَّدتني ورَمَتْ معاطفها الجبالُ وخبَّأتني *** أنا أحمد العربيُّ - قالَ أنا الرصاصُ البرتقالُ الذكرياتُ وجدتُ نفسي قرب نفسي فابتعدتُ عن الندى والمشهد البحريّ تل الزعتر الخيمةْ وأنا البلاد وقد أتَتْ وتقمَّصتني وأنا الذهاب المستمر إلى البلاد وجدتُ نفسي ملء نفسي... *** راح أحمدُ يلتقي بضلوعه ويديه كان الخطوةَ - النجمةْ ومن المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط كانوا يُعدّون الرماحَ وأحمدُ العربيُّ يصعد كي يرى حيفا ويقفزَ. أحمدُ الآن الرهينةْ تركتْ شوارعَها المدينةْ وأتتْ إليه لتقتلهْ ومن الخليج إلى المحيط، من المحيط إلى الخليج كانوا يُعدوُّن الجنازةََ وانتخاب المقصلةْ *** أنا أحمدُ العربيُّ - فليأتِ الحِصارْ جسدي هو الأسوار - فليأت الحصار وأنا حدود النار - فليأت الحصار وأنا أحاصركم أحاصركم وصدري بابُ كلِّ الناس - فليأت الحصار *** لم تأتِ أغنيتي لترسم أحمدَ الكحليَّ في الخندقْ الذكرياتُ وراء ظهري، وهو يوم الشمس والزنبق يا أيها الولد الموزَّعُ بين نافذتين لا تتبادلان رسائلي قاومْ إنَّ التشابه للرمال... وأنتَ للأزرقْ *** وأعُدُّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى وتتركني ضفاف النيل مبتعدا وأبحثُ عن حدود أصابعي فأرى العواصمَ كلّها زَبَدَا... *** وأحمدُ يفرُكُ الساعاتِ في الخندقْ لم تأتِ أُغنيتي لترسم أحمد المحروق بالأزرق هو أحمد الكَوْنيُّ في هذا الصفيح الضيِّقِِ المتمزَّق الحالمْ وهو الرصاص البرتقاليُّ... البنفسَجَةُ الرصاصيَّةْ وهو اندلاعُ ظهيرة حاسمْ في يوم حريَّةْ *** يا أيها الولد المكرّس للندى قاوم! يا أيها البلد - المسدَّس في دمي قاوم! الآن أكمل فيك أغنيتي وأَذهبُ في حصاركْ والآن أكمل فيك أسئلتي وأولد من غبارك فاذهب إلى قلبي تجد شعبي شعوباً في انفجارك *** ... سائراً بين التفاصيل اتكأتُ على مياهٍ فانكسرتُ أكلّما نَهَدَتْ سفرجلةٌ نسيتُ حدود قلبي والتجأتُ إلى حصارٍ كي أحدِّد قامتي يا أحمد العربيُّ؟ لم يكذب علي الحب. لكن كُلّما جاء المساء امتصَّني جَرَسٌ بعيدٌ والتجأتُ إلى نزيفي كي أحدد صورتي يا أحمد العربيُّ. لم أغسل دمي من خبز أعدائي ولكن كُلّما مرَّت خُطايَ على طريقٍ فرَّتِ الطرقُ البعيدةُ والقريبةُ كلّما آخيتُ عاصمةً رمَتني بالحقيبةِ فالتجأتُ إلى رصيف الحلم والأشعار كم أمشي إلى حُلْمي فتسبقني الخناجرُ آه من حلمي ومن روما جميلٌ أنت في المنفى قتيلٌ أنت في روما وحيفا من هنا بدأتْ وأحمدُ سُلَّمُ الكرملْ وبسملة الندى والزعتر البلدي والمنزلْ *** لا تسرقوه من السنونو لا تأخذوه من الندى كتبت مراثيها العيونُ وتركت قلبي للصدى *** لا تسرقوه من الأبدْ وتبعثروه على الصليب فهو الخريطةُ والجسد وهو اشتعال العندليب *** لا تأخذوه من الحَمَامْ لا ترسلوهُ إلى الوظيفةْ لا ترسموا دمه وسام فهو البنفسج في قذيفةْ *** صاعداً نحو التئام الحلم تَتَّخذُ التفاصيلُ الرديئةُ شكل كُمَّثرى وتنفصلُ البلادُ عن المكاتب والخيولُ عن الحقائبِ للحصى عرقٌ أقبِّلُ صمتَ هذا الملح أعطي خطبة الليمون لليمون أوقدُ شمعتي من جرحيَ المفتوحِ للأزهار والسمكِ المجفَّف للحصى عَرَقُ ومرآةٌ وللحطّاب قلبُ يمامةٍ أنساكِ أحياناً لينساني رجالُ الأمنِ يا امرأتي الجميلةَ تقطعين القلب والبَصَل الطريَّ وتذهبين إلى البنفسج فاذكريني قبل أن أنسى يديَّ *** ... وصاعداً نحو التئام الحلمِ تنكمش المقاعدُ تحت أشجاري وظلّكِ... يختفي المتسلّقون على جراحك كالذباب الموسميّ ويختفي المتفرجون على جراحك فاذكريني قبل أن أنسى يديَّ! وللفراشات اجتهادي والصخورُ رسائلي في الأرض لا طروادة بيتي ولا مسّادةٌ وقتي وأصعد من جفاف الخبز والماء المصادر من حصان ضاع في درب المطار ومن هواء البحر أصعدُ من شظايا أدْمَنَتْ جسدي واصعدُ من عيون القادمين إلى غروب السهلِ أصعدُ من صناديق الخضار وقوََّة الأشياء أصعدُ أنتمي لسمائي الأولى وللفقراء في كل الأزقّة ينشدون: صامدون وصامَدون وصامدون *** كان المخيَّمُ جسمَ أحمدْ كانت دمشقُ جفونَ أحمدْ كان الحجاز ظلال أحمدْ صار الحصارُ مُرورَ أحمدَ فوق أفئدة الملايين الأسيرةْ *** صار الحصارُ هُجُومَ أحمدْ والبحر طلقته الأخيرةْ! *** يا خَصْرَ كلِّ الريح يا أسبوع سُكَّرْ! يا اسم العيون ويا رُخاميّ الصدى يا أحمد المولود من حجر وزعترْ ستقول: لا ستقول: لا جلدي عباءةُ كلِّ فلاح سيأتي من حقول التبغ كي يلغي العواصمْ وتقول: لا جسدي بيان القادمين من الصناعات الخفيفةِ والتردد... والملاحمْ نحو اقتحام المرحلةْ وتقول: لا ويدي تحياتُ الزهور وقنبلةْ مرفوعة كالواجب اليومي ضدَّ المرحلةْ وتقول لا: يا أيها الجسد المُضرَّج بالسفوحِ وبالشموس المقبلةْ وتقول: لا يا أيها الجسد الذي يتزوج الأمواج فوق المقصلة وتقول: لا وتقول: لا وتقول: لا! *** وتموت قرب دمي وتحيا في الطحين ونزور صمتك حين تطلبنا يداكَ وحين تشعلنا اليراعهْ مشت الخيولُ على العصافير الصغيرةِ فابتكرنا الياسمين ليغيب وجهُ الموت عن كلماتنا فاذهب بعيداً في الغمام وفي الزراعة لا وقتَ للمنفى وأَُغنيتي... سيجرفُنا زحامُ الموت فاذهب في الزحام لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين *** واذهبْ إلى دمك المهيَّأ لانتشارك واذهب إلى دميَ الموحَّدِ في حصارِك لا وقتَ للمنفى... وللصُورِ الجميلةِ فوق جدران الشوارع والجنائز والتمني. كتبتْ مراثيها الطيورُ وشرَّدتني ورمتْ معاطفها الحقولُ وجمعتني فاذهبْ بعيداً في دمي! واذهب بعيداً في الطحين لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين *** يا أحمدُ اليوميّ! يا اسم الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء يا اسم البرتقالةْ يا أحمد العاديّ! كيف مَحًوْتَ هذا الفارقَ اللفظيَّ بين الصخر والتفّاح بين البندقية والغزالة! *** لا وقت للمنفى وأغنيتي... سنذهب في الحصار حتى نهايات العواصم فاذهبْ عميقاً في دمي اذهب براعمْ واذهبْ عميقاً في دمي اذهبْ خواتم واذهبْ عميقاً في دمي اذهب سلالم يا أحمدُ العربيُّ... قاومْ! لا وقت للمنفى وأغنيتي... سنذهب في الحصار حتى رصيف الخبز والأمواجِ تلك مساحتي ومساحة الوطن - المُلازِمْ موتٌ أمام الحُلْمِ أو حلم يموتُ على الشعار فاذهب عميقاً في دمي واذهب عميقاً في الطحين لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين *** ... ولَهُ انحناءاتُ الخريف لَهُ وصايا البرتقال لَهُ القصائد في النزيف لَهُ تجاعيدُ الجبال لَهُ الهتافُ لَهُ الزفافُ لَهُ المجلاّتُ المُلوَّنةُ المراثي المطمئنةُ ملصقات الحائط العَلَمُ التقدُّمُ فرقةُ الإنشاد مرسوم الحداد وكل شيء كل شيء كل شيء حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجههِ يا أحمدُ المجهولُ! كيف سَكَنْتَنا عشرين عاماً واختفيتَ وظَلَّ وجهُكَ غامضاً مثل الظهيرةْ يا أحمد السريّ مثل النار والغابات أشهرْ وجهك الشعبيَّ فينا واقرأ وصيَّتكَ الأخيرةْ؟ يا أيها المتفرّجون! تناثروا في الصمت وابتعدوا قليلاً عنه كي تجدوهُ فيكم حنطةً ويدين عاريتين وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيَّتَهُ على الموتى إذا ماتوا وكي يرمي ملامحَهُ على الأحياء إن عاشوا! *** أخي أحمد! وأنتَ العبدُ والمعبود والمعبد متى تشهدْ متى تشهدْ متى تشهدْ |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
عن الصمود لو يذكر الزيتون غارسه لصار الزيت دمعا! يا حكمة الأجداد لو من لحمنا نعطيك درعا! لكن سهل الريح، لا يعطي عبيد الريح زرعا! إنا سنقلع بالرموش الشوك والاحزان .. قلعا! وإلام نحمل عارنا وصليبنا! والكون يسعى.. سنظل في الزيتون خضرته، وحول الأرض درعا!! ـ2ـ إنا نحب الورد، لكنا نحب القمح اكثر ونحب عطر الورد، لكن السنابل منه أطهر بالصدر المسمر هاتوا السياج من الصدور.. من الصدور ؛ فكيف يكسر؟؟ إقبض على عنق السنابل مثلما عانقت خنجر! الأرض ، والفلاح ، والإصرار، قال لي كيف تقهر.. هذي الأقاليم الثلاثة، كيف تقهر؟ |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
وطني وطني ! يعلمني حديد سلاسلي عنف النسور ، ورقة المتفائل ما كنت أعرف أن تحت جلودنا ميلاد عاصفة ..وعرس جداول سدوا علي النور في زنزانة فتوهجت في القلب.. شمس مشاعل كتبوا على الجدران رقم بطاقتي فنما على الجدران .. مرج سنابل رسموا على الجردان صورة قاتلي فمحت ملامحها ظلال جدائل وحفرت بالاسنان رسمك دامياً وكتب أغنية العذاب الراحل أغمدت في لحم الظلام هزيمتي وغرزت في شعر الشموس أناملي والفاتحون على سطوح منازلي لم يفتحوا إلا وعود زلازلي! لن يبصروا إلا توهج جبهتي لن يسمعوا إلا صرير سلاسلي فإذا احترقت على صليب عبادتي أصبحت قديسا.. بزي مقاتل |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
أمل ما زال في صحونكم بقية من العسل ردوا الذباب عن صحونكم لتحفظوا العسل ما زال في كرومكم عناقيد من العنب ردوا بنات آوى يا حارسي الكروم لينضج العنب ما زال في بيوتكم حصيرة . . وباب سدوا طريق الريح عن صغاركم ليرقد الأطفال الريح برد قاس . . فلتغلقوا الأبواب ما زال في قلوبكم دماء لا تسفحوها أيها الآباء فإن في أحشائكم جنين ما زال في موقدكم حطب وقهوة . . وحزمة من اللهب |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
لحن غجري شارعٌ واضحٌ وَبِنْتْ خَرجتْ تُشعلُ القمرْ وبلادٌ بعيدةٌ وبلادٌ بلا أثرْ ... حُلمٌ مالحٌ وصوتْ يحفر الخصر في الحجرْ اذهبي يا حبيبتي فوق رمشي ... أو الوَتَرْ قَمَرٌ جارحٌ وصمتْ يكسرُ الريح والمطرْ يجعل النهرَ إبرةً في يدٍ تنسج الشَجَرْ حائطٌ سابحٌ وبيتْ يختفي كُلَّما ظَهَرْ رُبَّما يقتلوننا أو ينامون في الممرّ ... زَمَنٌ فاضحٌ وموتْ يشتهينا إذا عَبَرْ انتهى الآن كُلًّ شيء واقتربنا من النَهَرْ انتهت رحلةُ الغَجَرْ وتعبنا من السَفَرْ شارعٌ واضحٌ وبنتْ خرجت تَلصق الصُوَرْ فوق جدران جُثَّتي ... وخيامي بعيدة وخيامٌ بلا أثَرْ .. |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
شتاء ريتا من ديوان احد عشر كوكبا ريتا ترتب ليل غرفتنا : قليل هذا النبيذ وهذه الأزهار أكبر من سريري فافتح لها الشباك كي يتعطر الليل الجميل ضع ههُنا قمراً على الكرسيَّ ضع فوق البحيرةَ حول منديلي ليرتفع النخيل أعلى وأعلى هل لبست سواي ؟ هل سكنتك إمرأةٌ لتجهش كلما التفّت على جذعي فُروعُكَ ؟ حُكَّ لي قدمي وحُكَّ دَمي لنعرف ما تخلفه العواصفُ والسُّيولُ منِّي ومنك ... تنامُ ريتا في حديقةِ جسمها توتُ السياجِ على أظافرها يُضيءُ الملحَ في جسدي . أُ حبُّكِ . نام عصفوران تحت يديَّ... نامت موجةُ القمح النبيل على تنفسها البطيء و وردةُ حمراء نامت في الممر ونام ليلُ لا يطول والبحر نام أمام نافذتي على إيقاع ريتا يعلو ويهبط في أشعة صدرها العاري فنامي بيني وبينك لا تغطي عَتمَة الذهب العميقة بيننا نامي يداً حول الصدى ويداً تبعثرُ عزلة الغابات نامي بين القميص الفستقي ومقعد الليمون نامي فرساً على رايات ليلة عرسها ... هدأ الصهيلُ هدأت خلايا النحل في دمنا فهل كانت هنا ريتا وهل كنا معا ؟ .... ريتا سترحلُ بعد ساعاتٍ وتتركُ ظلها زنزانةٌ بيضاء . أين سنلتقي ؟ سألَت يديها ، فالتَفَتُّ إلى البعيد البحر خلف الباب ، والصحراء خلف البحر قبلني على شفتي قالت . قُلتَ : يا ريتا أأرحلُ من جديد مادام لي عنبٌ وذاكرةٌ ، وتتركني الفصول بين الإشارة والعبارة هاجسا ً ؟ ماذا تقول ؟ لا شيء يا ريتا ، أقلدُ فارساً في أُغنية عن لعنة الحب المحاصر بالمرايا ... عَنّي ؟ وعن حلمين فوق وسادةٍ يتقاطعان ويهربان فواحدٌ يستل سكيناً وآخرُ يُودعُ الناي الوصايا لا أدرك المعنى ، تقول و لا أنا ، لغتي شظايا كغياب إمرأةٍ عن المعنى ، وتنتحرُ الخيولُ في آخر الميدان ... ريتا تحتسي شاي الصباح وتقشر التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ وتقول لي : لا تقرأ الآن الجريدة ، فالطبول هي الطبول والحرب ليست مهنتي . وأنا أنا . هل أنتَ أنتْ ؟ أنا هو هو من رآكِ غزالةً ترمي لآلئها عليه هو من رأى شهواتهِ تجري وراءكِ كالغدير هو من رآنا تائهين توحدا فوق السرير وتباعدا كتحية الغرباء في الميناء يأخذنا الرحيل في ريحه ورقاً أمام فنادق الغرباء مثل رسائلٍ قرئت على عجل أتأخُذني معك ؟ فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخُذني معك فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك ... لتصرعك وأكون تابوتا من النعناع يحمل مصرعك وتكون لي حياً وميتاً ضاع يا ريتا الدليل والحب مثل الموت وعدٌ لا يرد .. ولا يزولُ .... ريتا تُعدُّ لي النهار حجلاً تجمع حول كعب حذائها العالي : صباحُ الخير يا ريتا وغيماً أزرقاً للياسمينة تحت إبطيها : صباحُ الخير يا ريتا وفاكهةً لضوء الفجر: يا ريتا صباح الخير يا ريتا أعيديني إلى جسدي لتهدأ لحظةً إبرُ الصنوبر في دمي المهجور بعدك ِ . كلما عانقتُ برجَ العاجِ فرت من يديَّ يمامتان .. قالت : سأرجع عندما تتبدل الأيام والأحلام يا ريتا طويل هذا الشتاء ، ونحن نحن فلا تقولي ما أقول أنا هي هيَ من رأتكَ معلقاً فوق السياج ، فأنزلتك وضمدتك وبدمعها غسلتك ، انتشرت بسوسنها عليك ومررت بين سيوف اخوتها ولعنة أمها وأنا هيَ هل أنتَ أنتْ ؟ ... تقوم ريتا عن ركبتي تزور زينتها ، وتربط شعرها بفراشةٍ فضيةٍ . ذيل الحصان يُداعبُ النمش المبعثر كرذاذ ضوءٍ فوق الرخام الأنثوي تعيد ريتا زر القميص إلى القميص الخردلي ... أأنتَ لي ؟ لَكِ ، لو تركت الباب مفتوحاً على ماضيَّ ، لي ماضٍ أراه الآن يولدُ في غيابك من صرير الوقت في مفتاح هذا الباب لي ماض أراه الآن يجلس قربنا كالطاولة لي رغوة الصابون والعسل المملح والندى والزنجبيل ولكَ الأيائل ،إن أردت ، لك الأيائل والسهول ولك الأغاني ،إن أردت، لك الأغاني والذهول إني ولدت لكي أحبك فرساً تُرقِّصُ غابةً ، وتشق في المرجان غيابك ووُلدتُ سيدةً لسيدها ، فخذني كي أصبك خمراً نهائياً لأشفي منك فيك ، وهات قلبك إني ولدت لكي أحبك وتركت أمي في المزامير القديمة تلعن الدنيا وشعبك ووجدت حراس المدينة يُطعمون النار حُبك وإني ولدت لكي أحبك ريتا تكسر جوز أيامي ، فتتسع الحقول لي هذه الأرض الصغيرة في غرفة في شارعٍ في الطابق الأرضي من مبنى على جبلٍ يطل على هواء البحر . لي قمرٌ نبيذيٌ ولي حجر صقيل لي حصة من مشهد الموج المسافر في الغيوم ، وحصة من سِفرِ تكوين البداية و سِفرِ أيوب ، ومن عيد الحصاد وحصة مما ملكتُ ، وحصة من خبز أمي لي حصة من سوسن الوديان في أشعار عشاق قدامى لي حصة من حكمة العشاق : يعشقُ وجهَ قاتلهِ القتيلُ لو تعبرين النهر يا ريتا وأين النهر ، قالت ... قُلتُ فيكِ وفيَّ نهرٌ واحد وأنا أسيل دماً وذاكرةً أسيلُ لم يترك الحراس لي باباً لأدخل فاتكأت على الأفق ونظرت تحت نظرت فوق نظرت حول فلم أجد أفقاً لأنظر ، لم أجد في الضوء إلا نظرتي ترتد نحوي . قلت عودي مرةً أخرى إلي ، فقد أرى أحداً يحاول أن يرى أفقاً يرممه رسول برسالة من لفظتين صغيرتين : أنا ، وأنتِ فرحٌ صغيرٌ في سريرٍ ضيقٍ ... فرحٌ ضئيل لم يقتلونا بعد ، يا ريتا ، ويا ريتا .. ثقيل هذا الشتاء وبارد .... ريتا تغني وحدها لبريد غربتها الشمالي البعيد : تركتُ أمي وحدها قرب البحيرة وحدها ، تبكي طفولتي البعيدة بعدها في كل أمسية تنام ضفيرتي الصغيرة عندها أمي ، كسرت طفولتي وخرجت إمرأةً تُربِّي نهدها بفم الحبيب . تدور ريتا حول ريتا وحدها : لا أرض للجسدين في جسد ، ولا منفى لمنفى في هذه الغرف الصغيرة ، والخروج هو الدخول عبثا نغني بين هاويتين ، فلنرحل ليتضح السبيل لا أستطيع ، ولا أنا ، كانت تقول ولا تقول وتهدئ الأفراس في دمها : أمن أرض بعيدة تأتي السنونو ، يا غريب ويا حبيب ، إلى حديقتك الوحيدة ؟ خذني إلى أرض البعيدة خذني إلى الأرض البعيدة ، أجهشت ريتا : طويل هذا الشتاء وكسرت خزف النهار على حديد النافذة وضعت مسدسها الصغير على مسودة القصيدة ورمت جواربها على الكرسي فانكسر الهديل ومضت إلى المجهول حافيةً ، وأدركني الرحيل |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
أعراس عاشق يأتي من الحرب إلى يوم الزفافْ يرتدي بدلتهُ الأولى ويدخلْ حلبة الرقص حصاناً من حماس وقرنفل ْ وعلى حبل الزغاريد يُلاقي فاطمةْ وتُغنّي لهما كل أشجار المنافي ومناديل الحداد الناعمةْ. ذَبَّلَ العاشقُ عينيه وأعطى يَدَهُ السمراء للحنّاء والقطن النسائيّ المقدس وعلى سقف الزغاريد تجيء الطائرات طائرات طائرات تخطفُ العاشقَ من حضن الفراشةْ ومناديل الحداد وتُغنّي الفتيات: قد تزوَّجْتَ تزوجت جميع الفتيات يا محمَّدْ ! وقضيتَ الليلة الأولى على قرميد حيفا يا محمد ! يا أمير العاشقين يا محمد ! وتزوَّجتَ الدوالي وسياج الياسمين يا محمد ! وتزوَّجْتَ السلالمْ يا محمد ! وتقاوم يا محمد ! وتزوَّجْتَ البلاد يا محمد ! يا محمد ! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
بين حلمي وبين اسمه كان موتي بطيئ باسمها أتراجَعُ عن حلمها. ووصلتُ أخيراً إلى الحُلْم. كان الخريفُ قريباً من العشب. ضاع اسمُها بيننا... فالتقينا. لم أسجلِّ تفاصيل هذا اللقاء السريع. أحاول شرحَ القصيدةِ كي أفهم الآن ذاك اللقاء السريع. هي الشيءُ أو ضدُّهُ، وانفجارات روحي هي الماءُ والنار، كنا على البحر نمشي. هي الفرقُ بيني... وبيني]. وأنا حاملُ الإسم أو شاعر الحُلْم. كان اللقاء سريعاً. أنا الفرقُ بين الأصابع والكفّ. كان الربيع قصيراً. أنا الفرقُ بين الغصون وبين الشجْر. كنتُ أحْملها، واسمُها يتضاءلُ. كانت تُسمّى خلايا دمي. كنتُ أحلْمها والتقينا أخيراً. أحاول شرح القصيدة كي أفهم الآن ماذا حدث... - يحمل الحُلْم سيفاً ويقتل شاعرةُ حين يبلغهُ – هكذا أخبرتني المدينةُ حين غفوتُ على ركبتيها لم أكن حاضراً لم أكن غائباُ كنتُ بين الحضور وبين الغيابْ حَجَراً... أو سحابهْ - تشبهين الكآبةَ قلت لها باختصار شديد تشبهين الكآبة ولكنَّ صدرك صار مظاهرة العائدين من الموتِ... ما كنتُ جنديَّ هذا المكان وثوريَّ هذا الزمان لأحمل لا فتةً، أو عصا، في الشوارعِ. كان لقائي قصيراً وكان وداعي سريعاً. وكانت تصيرُ إلى امرأةٍ عاطفيةْ فالتحمتُ بها وصارت تفاصيلها وَرَقاً في الخريفِ فلملمها عسكريُّ المرور ورتَّبها في ملف الحكومةْ وفي المتحف الوطني - تشبهين المدينةَ حين أكون غريباً قلت لها باختصار شديد تشبهين المدينةْ. هل رآك الجنود على حافَّةِ الأرض هل هربوا منكِ أم رجموكِ بقنبلة يدويةْ؟ قالتِ المرأة العاطفيَّة : كلُّ شيء يلامس جسمي يَتَحَوَّلُ أو يتشكَّلُ حتى الحجارة تغدو عصافير. قلت لها باكياً: ولماذا أنا أتشرَّدُ أو أتبدَّد بين الرياح وبين الشعوب؟ فأجابت: في الخريف تعود العصافير من حالة البحرِ - هذا هو الوقتُ - لا وقت وابتدأتْ أغنيةْ: في الخريف تعود العصافير من حالة البحر هذا هو الوقتُ، لا وقت للوقتِ هذا هو الوقتُ - ماذا تكون البقيَّةْ؟ - شبه دائرة أنت تُكلمها - أذهبُ الآن؟ - لا تذهب الآن. إنَّ الرياح على خطأ دائماَ. والمدينة أقربْ. - المدينةُ أقرب !!ُ أنتِ المدينةُ - لستُ مدينةْ أنا امرأةٌ عاطفيةْ هكذا قلتَ قبل قليلْ واكتشفتَ الدليل وأنت البقيةْ - آه، كنتُ الضحيَّةْ فكيف أكون الدليل؟ - وكنتُ أعانقها. كنت أسألها نازفاً: أ أنتِ بعيدةْ؟ - على بُعْدِ حُلْم من الآن والحُلْمُ يحمل سيفاً. ويقتل شاعره حين يبلغهُ - كيف أكمل أغنيتي والتفاصيل ضاعت. وضاع الدليل؟ - انتهتْ صورتي فابتدئ من ضياعك. أموتُ - أحبُّكِ إن ثلاثة أشياء لا تنتهي: أنتِ، والحبُّ، والموتُ قبَّلتُ خنجركِ الحلوَ ثم احتميتُ بكفَّيكِ أنْ تقتليني وأن توقفيني عن الموتِ هذا هو الحب. إني أحبُّك حين أموت وحين أحبُّكِِ أشعر أني أموتُ فكوني امرأةْ وكوني مدينة ولكن، لماذا سقطتِ، لماذا احترقتِ بلا سَبَبٍ؟ ولماذا ترهّلت في خيمة بدويَّةْ؟ - لأنكَ كنتَ تمارس موتاً بدون شهيَّةْ وأضافت، كأنَّ القَدَرْ يتكسَّرُ في صوتها: هل رأيت المدينة َتذهبُ أم كنتَ أنت الذي يتدحرج من شرفة اللّهِ قافلةً من سبايا؟ هل رأيتَ المدينةَ تهربُ أم كنتَ أنت الذي يحتمي بالزوايا المدينةُ لا تسقطُ، الناس تسقط ! ورويداً... رويداً تفتَّت وجهُ المدينةْ لم نحوِّل حصاها إلى لُغَةٍ لم نُسَيِّجْ شوارعها لم ندافع عن البابِ لم ينضج الموتُ فينا. كانت الذكرياتُ مقراً لحكام ثورتها السابقة ومرَّ ثلاثون عاماً وألف خريف وخمس حروب وجئتُ المدينة منهزماً من جديد كان سورُ المدينة يُشبهني وقلتُ لها: سأحاول حُبّكِ... لا أذكر الآن شكل المدينةِ لا أذكرُ اسمي ينادونني حَسَبَ الطقس والأمْزجةْ لقد سقط اسمي بين تفاصيل تلك المدينةِ لملمه عسكريُّ المرور ورتّبه في ملف الحكومةْ - تشبهين الهويَّة حين أكون غريباً تشبهين الهويَّة. - ليس قلبي قرنفلةً ليس جسمي حقلاً - ما تكونين؟ هل أنت أحلى النساء وأحلى المدنْ - للذي يتناسل فوق السفنْ وأضافت: بين شوك الجبال وبين أماسي الهزائم كان مخاضي عسيراً - وهل عذَّبوكِ لأجلي؟ - عذَّبوك لأجلي - هل عرفتِ الندمْ؟ - النساء – المدن قادراتٌ على الحبِّ، هل أنتَ قادر؟ - أحاول حبَّك لكنّ كل السلاسل تلتفُّ حول ذراعيَّ حين أحاول... هل تخونينني؟ - حين تأتي إليّ - هل تموتين قبلي؟ سألتكِ : مُوتي! - أيجديكَ مَوْتي! - أصيرُ طليقاً لأن نوافذ حُبّي عبوديَّةٌ والمقابر ليست تثير اهتمام أحَدْ وحين تموتين أكمل موتي. بين حُلْمي وبين اسمِهِ كان موتي بطيئاً بطيئاً. أموت – أحبُّكِ إن ثلاثة أشياء لا تنتهي أنتِ، والحبُّ، والموتُ أن تقتليني وأن توقفيني عن الموتِ. هذا هو الحبّ ... وانتهتْ رحلتي فابتدأتْ وهذا هو الوقتُ: ألا يكون لشكلكِ وقتُ. لم تكوني مدينةْ الشوارعُ كانت قُبَلْ وكان الحوار نزيفاً وكان الجبلْ عسكرياً. وكان الصنوبر خنجرْ. ولا امرأةً كنتِ كانت ذراعاكِ نهرين من جُثَثٍ وسنابلْ وكان جبينُكِ بيد رْ وعيناكِ نار القبائلْ وكنتُ أنا من مواليد عام الخروج ونسل السلاسلْ. يحملُ الحلمُ سيفاً، ويقتل شاعرَهُ حين يبلغهُ - هكذا أخبرتني المدينة حين غفوتُ على ركبتيها لم أكن غائباً لم أكن حاضراً كنتُ مختفياً بالقصيدةْ، إذا انفجرت من دمائي قصيدةْ تصير المدينةُ ورداً، كنتُ أمتشق الحُلْمَ من ضلعها وأحارب نفسي كنتُ أعلى يأسي على صدرها، فتصير امرأةْ كنتُ أعلن حبي على صدرها، فتصير مدينةْ كنتُ أعلن أنَّ رحيلي قريب وأنَّ الرياح وأنَّ الشعوب تتعاطى جراحي حبوباً لمنع الحروب. بين حلمي وبين اسمه كان موتي بطيئاً باسمها أتراجع عن حُلمها. ووصلتُ وكان الخريف قريباً من العشب. ضاع اسمها بيننا... فالتقينا. لم أسجّل تفاصيل هذا اللقاء السريع أحاول شرح القصيدةْ لأغلق دائرة الجرح والزنبقةْ وأفتح جسر العلاقة بين الولادة والمشنقةْ أحاول شرح القصيدةْ لأفهم ذاك اللقاء السريع أحاول أحاول... أحاول |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
ليس للكردي الا الريح "لا تعتذر عما فعلت" يُغني حين يدخلُ ظلُه شجر الأكاسْيا , أو يبلل شعره مطرٌ خفيفٌ ... بل يناجي الذئب , يسأله النزال : تعال يا ابن الكلب نَقْرَعْ طبْلَ هذا الليل حتى نوقظ الموتى . فإن الكرد يقتربون من نار الحقيقة , ثم يحترقون مثل فراشة الليل الشٌعراء / .... فعلت ما فعل الضباب بإخوتي . و شويت قلبي كالطريدة . لن أكون كما أريد . و لن أحب الأرض أكثر أو أقل من القصيدة . ليس للكردي إلا الريح تسكنهُ و يسكنها . و تدمنه و يدمنها , لينجو من صفات الأرض و الأشياء ... / كان يخاطب المجهول : يا ابني الحُرّ ! يا كبش المتاه السرمدي . إذا رأيتَ أباك مشنوقا ً فلا تنزله عن حبل السماء , و تُكَفنْهُ بقطن نشيدك الرَعَوي . لا تدفنه يا ابني , فالرياح وصية ُ الكردي للكردي في منفاهُ , يا ابني ... و النسور كثيرة ُحولي و حولك في الأناضول الفسيح . جنازتي سريَة ٌ رمزية ٌ فَخُذِ الهباءَ إلى مصائره , و جُرَ سماءك الأولى إلى قاموسك السحري . و احذرْ لَدْغة َ الأمل الجريح , فإنه وحْشٌ خرافيّ . و أنت الآن ... أنت الآن حرّ , يا ابن نفسِك َ , أنت حٌرٌ من أبيك و لعنة الأسماء ... / باللغة انتصَرْتَ على الهُوَية ِ , قلتُ للكردي , باللغة انتقمتَ من الغيابِ فقال : لن أمضي إلى الصحراء قلتُ : و لا أنا ... و نظرت نحو الريح / - عِمْتَ مساء - عِمْتَ مساء! |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
هي القصيدة منشورة حصريا على جريدة المستقبل و هي من آخر اعمال محمود درويش و هي رثاء للراحل الكبير المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد و القصيدة كتير حلوة طباق نيويورك، نوفمبر، الشارع الخامس الشمس صحن من المعدن المتطاير فوضى لغات زحام على مهرجان القيامة هاوية كهربائية بعلو السماء قصائد ويتمان تمثال حرية لا مبال بزوّاره جامعات مسارح قداس جاز متاحف للغد لا وقتَ في الوقت قلت لنفسي الغريبة: هل هذه بابل، أم سدوم؟ هناك التقيت بإدوارد قبل ثلاثين عاما وكان الزمان أقلَّ جموحا من الآن قال كلانا: إذا كان ماضيك تجربة فاجعل الغد معنىً ورؤيا لنذهب إلى غدنا واثقين بصدق الخيال ومعجزة العشب لا أتذكر أنّا ذهبنا إلى السينما في المساء ولكنْ سمعت هنودا قدامى ينادونني لا تثق بالحصان ولا بالحداثة لا ضحية تسأل جلادها: هل أنا أنتَ لو كان سيفي أكبرَ من وردتي هل تسأل إن كنت أفعل مثلك سؤال كهذا يثير فضول الروائي في مكتب من زجاج يطل على زنبق في الحديقة حيث تكون يد الفرضية بيضاء مثل ضمير الروائي حين يصفّي الحساب مع نزعة البشرية لا غدَ في الأمس فلتتقدمْ إذا قد يكون التقدم جسر الرجوع إلى البربرية نيويورك إدوارد يصحو على جرس الفجر يعزف لحنا لموتسارت يركض في ملعب التنس الجامعي يفكر في رحلة الفكر عبر الحدود وفوق الحواجز يقرأ نيويورك تايمز يكتب تعليقه المتوتر يلعن مستشرقا يرسل الجنرال إلى نقطة الضعف في قلب شرقية يستحمّ ويختار بذلته بأناقة ديك ويشرب قهوته بالحليب ويصرخ في الفجر: لا تتلكأ على الريح يمشي وفي الريح يعرف من هو لا سقف للريح لا بيت للريح والريح بوصلة لشمال الغريب يقول: أنا من هناك أنا من هنا ولست هناك ولست هنا ليَ اسمان يلتقيان ويفترقان ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم لي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات ولي لغة من حوار السماء مع القدس فضية النبر لكنها لا تطيع مخيلتي والهوية قلت قال دفاع عن الذات إن الهوية بنت الولادة لكنها في النهاية إبداع صاحبها لا وراثة ماض أنا المتعدد في داخلي خارجي المتجدد لكنني أنتمي لسؤال الضحية لو لم أكن من هناك لدربت قلبي على أن يربي غزال الكناية فاحمل بلادك أنّى ذهبت وكن نرجسيَ السلوك لكي يعرفوك إذا لزم الأمر منفى هو العالم الخارجي ومنفى هو العالم الباطني فمن أنت بينهما؟ لا أعرّف نفسي لئلا أضيّعها وأنا ما أنا وأنا آخري في ثنائية تتناغم بين الكلام وبين الإشارة ولو كنت أكتب شعرا لقلت: أنا اثنان في واحد كجناحيْ سنونوة إن تأخر فصل الربيع اكتفيت بنقل الإشارة يحب بلادا ويرحل عنها هل المستحيل بعيد؟ يحب الرحيل إلى أي شيء ففي السفر الحر بين الثقافات قد يجد الباحثون عن الجوهر البشري مقاعد جاهزة للجميع هنا هامش يتقدّم أو مركز يتراجع لا الشرق شرق تماماً ولا الغرب غرب تماماً فإن الهوية مفتوحة للتعدد لا صَدَفا أو خنادق كان المجاز ينام على ضفة النهر لولا التلوث لاحتضن الضفة الثانية هل كتبت الرواية؟ حاولت حاولت أن أستعيد بها صورتي في مرايا النساء البعيدات لكنّهن توغلن في ليلهن الحصين وقلنَ: لنا عالم مستقل عن النص لن يكتب الرجل المرأة اللغز والحلم لن تكتب المرأة الرجل الرمز والنجم لا حب يشبه حباً ولا ليل يشبه ليلاً فدعنا نعدد صفات الرجال ونضحك وماذا فعلت؟ ضحكت على عبثي ورميتُ الرواية في سلة المهملات المفكر يكبح سرد الروائي والفيلسوف يشرّح ورد المغني يحب بلاداً ويرحل عنها أنا ما أقول وما سأكون سأصنع نفسي بنفسي وأختار منفاي موسوعة لفضاء الهوية منفاي خلفية المشهد الملحمي أدافع عن حاجة الشعراء إلى الغد والذكريات معاً وأدافع عن شجر ترتديه الطيورُ بلاداً ومنفى وعن قمر لم يزل صالحاً لقصيدة حب أدافع عن فكرة كسرتها هشاشة أصحابها وأدافع عن بلد خطفته الأساطير هل تستطيع الرجوع إلى أي شيْ؟ أمامي يجرّ ورائي ويسرع لا وقت في ساعتي لأخط سطوراً على الرمل لكنني أستطيع زيارة أمس كما يفعل الغرباء إذا استمعوا في المساء الحزين إلى الشاعر الرعوي: فتاة على النبع تملأ جرتها بدموع السحاب وتبكي وتضحك من نحلة لسعت قلبها في مهب الغياب هل الحب ما يوجع الماء أم مرض في الضباب ..إلى آخر الأغنية إذا قد يصيبك داء الحنين حنيني إلى الغد أبعد أعلى وأبعد حلمي يقود خطاي ورؤياي تجلس حلمي على ركبتيّ كقط أليف هو الواقعي الخيالي وابن الإرادة في وسعنا أن نعدّل حتمية الهاوية والحنينُ إلى أمس عاطفة لا تخص المفكرَ إلا ليفهم شوق الغريب إلى أدوات الغياب وأما أنا فحنيني صراع على حاضر يمسك الغد من خصيتيه ألم تتسلل إلى الأمس حين ذهبت إلى البيت بيتك في القدس في حارة الطالبية؟ هيأت نفسي لأن أتمدد في تخت أمي كما يفعل الطفل حين يخاف أباه وحاولت أن أستعيد ولادة نفسي وحاولت أن أتحسس جلد الغياب ورائحة الصيف من ياسمين الحديقة لكنّ ضبع الحقيقة فرّقني عن حنين تلفت كاللص حولي أخفت؟ وماذا أخذت؟ لا أستطيع لقاء الخسارة وجها لوجه وقفت على الباب كالمتسوّل هل أطلب الإذن من غرباء ينامون فوق سريري أنا في زيارة نفسي لخمس دقائق هل أنحني باحترام لسكان حلمي الطفولي هل يسألون: من السائل الأجنبي الفضولي هل أستطيع الكلام عن السلم والحرب بين الضحايا وبين ضحايا الضحايا بلا كلمات إضافية وبلا جملة اعتراضية هل يقولون لي: لا مكان لحلمين في مخدع واحد لا أنا أو هو ولكنه قارئ يتساءل عما يقول لنا الشعر في زمن الكارثة دم ودم ودم في بلادك باسمي وباسمك في زهرة اللوز في قشرة الموز في لبن الطفل في اللون في الظل في حبة القمح في علبة الملح قناصة بارعون يصيبون أهدافهم بامتياز دما ودما ودما هذه الأرض أصغر من دم أبنائها الواقفين على عتبات القيامة مثل القرابين هل هذه الأرض حقا مباركة أم معمّدة بدم ودم ودم لا تجففه الصلوات ولا الرمل لا عدّ في صفحات الكتاب المقدس يكفي لكي يفرح الشهداء بحرية المشي فوق الغمام دم في النهار دم في الظلام دم في الكلام يقول: القصيدة قد تستضيف الخسارة خيطا من الضوء يلمع في قلب غيتارة أو مسيحا على فرس مثخن بالمجاز الجميل فليس الجمالي إلا حضور الحقيقي في الشكل. في عالم لا سماء له تصبح الأرض هاوية والقصيدة إحدى هِبات العزاء وإحدى صفات الرياح جنوبية أو شمالية لا تصف ما ترى الكاميرا من جروحك واصرخ لتسمع نفسك واصرخ لكي تعلم أن الحياة على هذه الأرض ممكنة فاخترع أملا للكلام ابتكر جهة أو سرابا يطيل الرجاء وغنّ فإن الجمالي حرية أقول: الحياة التي لا تعرّف إلا بضد هو الموت ليست حياة يقول: سنحيا ولو تركتنا الحياة إلى شأننا فلنكن سادة الكلمات التي سوف تجعل قراءها خالدين على حد تعبير صاحبك الفذ ريتسوس وقال: إذا متّ قبلكَ أوصيك بالمستحيل سألت: هل المستحيل بعيدٌ؟ فقال: على بعد جيل سألت: فإن متّ قبلك قال: أعزّي جبال الجليل وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم والآن، لا تنس إن متّ قبلكَ أوصيك بالمستحيل عندما زرته في سدومَ الجديدة في عام ألفين واثنين كان يقاوم حرب سدوم على أهل بابل والسرطان معا كان كالبطل الملحمي الأخير يدافع عن حق طروادة في اقتسام الرواية نسر يودع قمته عاريا عاريا فالإقامة فوق الأولمب وفوق القممْ تثير السأم وداعا وداعا وداعا لشعر الألم |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
في يدي غيمة أَسْرَجوا الخَيْلَ , لا يَعرفون لماذا ولكِّنُهمْ أَسْرَجُوا الخيلَ في السهلِ .. كان المكانُ مُعَدَّاً لِمَوْلِدِه : تلَّةً من رياحين أَجداده تَتَلَفَّتُ شرقاً وغرباً وزيتونهً قُرْبَ زيتونه في المَصاحف تُعْلي سُطُوح اللُغَةْ ... ودخاناً من اللازَوَرْدِ يُؤَثِّثُ هذا النهارَ لمسْأَلةٍ لا تخصُّ سِوى الله . آذارُ طفلُ الشهور المُدَلَّلُ . آذارُ يُؤلِمُ خبيز لِفناء الكنسيةِ آذارُ أَرضٌ لِلَيْلِ السنون , ولا مرآةٍ تَسْتَعدُّ لصرخَتَها في البراري... وتمتدُّ في شَجَرِ السنديانْ . يُولَدُ الآنَ طفلٌ وصرختُهُ , في شقوق المكانْ اِفتَرقْنا على دَرَجِ البيت . كانوا يقولونَ: في صرختي حَذَرٌ لا يُلائِمُ طَيْشَ النباتاتِ , في صرختي مَطَرٌ ؛ هل أَسأَتُ إِلى إخوتي عندما قلتُ إني رأَيتُ ملائكةٌ يلعبون مع الذئب في باحة الدار ؟ لا أَتذكَّرُ أَسماءَهُمْ . ولا أَتذكَّرُ أَيضاً طريقَتَهُمْ في الكلام ... وفي خفِّة الطيرانْ أَصدقائي يرفّون ليلاً , ولا يتركونْ خَلْفَهُمْ أَثَراً . هل أَقولُ لأُمِّي الحقيقةَ : لِي إخوةٌ آخرونْ إخوةٌ يَضَعُونَ على شرفتي قمراً إخوةٌ ينسجون بإبرتهم معطفَ الأُقحوانْ أَسْرَجُوا الخيلَ لا يعرفون لماذا , ولكنهم أَسرجوا الخيل في آخر الليلِ سَبْعُ سنابلَ تكفي لمائدة الصَيْف . أَبيض يَسْحَبُ الماءَ من بئرِهِ ويقولُ لهُ : لا تجفَّ . ويأَخذني من يَدي لأَرى كيف أكبُرُ كالفَرْفَحِينَة... أَمشي على حافَّة البئر : لِيَ قَمَرانْ واحدٌ في الأعالي وآخرُ في الماء يسبَحُ ... لِي قمرانْ واثَقيْن , كأسلافهِمْ , من صَوَابِ الشرائع ... سَكُّوا حديدَ السيوفِ محاريثَ . لن يُصْلِحَ السيوفِ ما أفْسَدَ الصَّيْفُ – قالوا وصَلُّوا طويلاً . وغَنّوا مدائحَهمْ للطبيعةِ ... لكنهم أَسرجوا الخيل , كي يَرْقُصُوا رَقْصَةَ الخيلِ , في فضَّة الليل ... تَجْرحُني غيمةٌ في يدي : لا أُريدُ من الأَرض أَكثَرَ مِنْ هذه الأَرضِ : رائحة الهالِ والقَشِّ بين أَبي والحصانْ . في يدي غيمةٌ جَرَحْتني . ولكنني لا أُريدُ من الشمس أَكثَرَ من حَبَّة البرتقال وأَكثرَ منْ ذَهَبٍ سال من كلمات الأذانْ أَسْرَجُوا الخَيْلَ , لا يعرفون لماذا , ولكنهُمْ أسرجوا الخيل في آخر الليل , وانتظروا شَبَحاً طالعاً من شُقوق المكانْ .... |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
يطير الحمام يطيرُ الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ - أعدِّي لِيَ الأرضَ كي أستريحَ فإني أُحبُّكِ حتى التَعَبْ... صباحك فاكهةٌ للأغاني وهذا المساءُ ذَهَبْ ونحن لنا حين يدخل ظِلٌّ إلى ظِلِّه في الرخامِ وأُشْبِهُ نَفْسِيَ حين أُعلِّقُ نفسي على عُنُقٍ لا تُعَانِقُ غَيرَ الغَمامِ وأنتِ الهواءُ الذي يتعرَّى أمامي كدمع العِنَبْ وأنت بدايةُ عائلة الموج حين تَشَبَّثَ بالبرِّ حين اغتربْ وإني أُحبُّكِ، أنتِ بدايةُ روحي، وأنت الختامُ يطير الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ أنا وحبيبيَ صوتان في شَفَةٍ واحدهْ أنا لحبيبي أنا. وحبيبي لنجمته الشاردهْ وندخل في الحُلْمِ، لكنَّهُ يَتَبَاطَأُ كي لا نراهُ وحين ينامُ حبيبيَ أصحو لكي أحرس الحُلْمَ مما يراهُ وأطردُ عنه الليالي التي عبرتْ قبل أن نلتقي وأختارُ أيَّامنا بيديّ كما اختار لي وردةَ المائدهْ فَنَمْ يا حبيبي ليصعد صوتُ البحار إلى ركبتيّ وَنَمْ يا حبيبي لأهبط فيك وأُنقذَ حُلْمَكَ من شوكةٍ حاسدهْ وَنَمْ يا حبيبي عليكَ ضفائر شعري، عليك السلامُ يطيرُ الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ - رأيتُ على البحر إبريلَ قلتُ: نسيتِ انتباه يديكِ نسيتِ التراتيلَ فوق جروحي فَكَمْ مَرَّةً تستطيعينَ أن تُولَدي في منامي وَكَمْ مَرَّةً تستطيعين أن تقتليني لأصْرُخَ: إني أحبُّكِ كي تستريحي? أناديكِ قبل الكلامِ أطير بخصركِ قبل وصولي إليكِ فكم مَرَّةً تستطيعين أن تَضَعِي في مناقير هذا الحمامِ عناوينَ روحي وأن تختفي كالمدى في السفوحِ لأدرك أنَّكِ بابلُ، مصرُ، وشامُ يطير الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ إلى أين تأخذني يا حبيبيَ من والديَّ ومن شجري، من سريري الصغير ومن ضجري، من مرايايَ من قمري، من خزانة عمري ومن سهري، من ثيابي ومن خَفَري? إلى أين تأخذني يا حبيبي إلى أين تُشعل في أُذنيَّ البراري، تُحَمِّلُني موجتين وتكسر ضلعين، تشربني ثم توقدني، ثم تتركني في طريق الهواء إليك حرامٌ... حرامُ يطير الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ - لأني أحبكِ، خاصرتي نازفهْ وأركضُ من وَجَعِي في ليالٍ يُوَسِّعها الخوفُ مما أخافُ تعالى كثيرًا، وغيبي قليلاً تعالى قليلاً، وغيبي كثيرًا تعالى تعالى ولا تقفي، آه من خطوةٍ واقفهْ أُحبُّكِ إذْ أشتهيكِ. أُحبُّكِ إذْ أشتهيك وأحضُنُ هذا الشعاعَ المطوَّقَ بالنحل والوردة الخاطفهْ أحبك يا لعنة العاطفهْ أخاف على القلب منك، أخاف على شهوتي أن تَصِلْ أُحبُّكِ إذْ أشتهيكِ أحبك يا جسدًا يخلق الذكريات ويقتلها قبل أن تكتملْ أحبك إذْ أشتهيكِ أُطوِّع روحي على هيئة القدمين - على هيئة الجنَّتين أحكُّ جروحي بأطراف صمتك.. والعاصفهْ أموتُ، ليجلس فوق يديكِ الكلامُ يطير الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ لأني أُحبُّك (يجرحني الماءُ) والطرقاتُ إلى البحر تجرحني والفراشةُ تجرحني وأذانُ النهار على ضوء زنديك يجرحني يا حبيبي، أناديكَ طيلة نومي، أخاف انتباه الكلام أخاف انتباه الكلام إلى نحلة بين فخذيَّ تبكي لأني أحبُّك يجرحني الظلُّ تحت المصابيح، يجرحني طائرٌ في السماء البعيدة، عِطْرُ البنفسج يجرحني أوَّلُ البحر يجرحني آخِرُ البحر يجرحني ليتني لا أُحبُّكَ يا ليتني لا أُحبُّ ليشفى الرخامُ يطير الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ - أراكِ، فأنجو من الموت. جسمُكِ مرفأْ بعشرِ زنابقَ بيضاء، عشر أناملَ تمضي السماءُ إلى أزرقٍ ضاع منها وأُمْسِكُ هذا البهاء الرخاميَّ، أُمسكُ رائحةً للحليب المُخبَّأْ في خوختين على مرمر، ثم أعبد مَنْ يمنح البرَّ والبحر ملجأْ على ضفَّة الملح والعسل الأوَّلين، سأشرب خَرُّوبَ لَيْلِكِ ثم أنامُ على حنطةٍ تكسر الحقل، تكسر حتى الشهيق فيصدأْ أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأْ فكيف تُشَرِّدني الأرضُ في الأرض كيف ينامُ المنامُ يطير الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ حبيبي، أخَافُ سكوتَ يديكْ فَحُكَّ دمي كي تنام الفرسْ حبيبي، تطيرُ إناثُ الطيور إليكْ فخذني أنا زوجةً أو نَفَسْ حبيبي، سأبقي ليكبر فُستُقُ صدري لديكْ ويجتثُّني مِنْ خُطَاك الحَرَسْ حبيبي، سأبكي عليكَ عليكَ عليكْ لأنك سطحُ سمائي وجسميَ أرضُكَ في الأرضِ جسمي مقَامُ يطير الحمامُ يَحُطُّ الحمامُ رأيتُ على الجسر أندلُسَ الحبّ والحاسَّة السادسهْ. على وردة يابسهْ أعاد لها قلبَها وقال: يكلفني الحُبُّ ما لا أُحبُّ يكلفني حُبَّها. ونام القمرْ على خاتم ينكسرْ وطار الحمامُ رأيتُ على الجسر أندلُسَ الحب والحاسَّة السادسهْ. على دمعةٍ يائسهْ أعادتْ له قلبَهُ وقالت: يكلفني الحبُّ ما لا أُحبُّ يكلفني حُبَّهُ ونام القمر على خاتم ينكسرْ وطار الحمامُ. وحطّ على الجسر والعاشِقيْنِ الظلامُ يطير الحمامُ يطير الحمامُ |
مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
ردّ الـفـعـل وطني! يعلّمني حديدُ سـلاسلي عنفَ النسورِ و رِقّـةَ المتفائـلِ ما كنتُ أعرفُ أنَّ تحتَ جلودنا ميلادُ عاصفةٍ... وعرسُ جداولِ سدّوا علـيَّ النـورَ في زنـزانةٍ فتوهّجتْ في القلبِ شمسُ مشاعلِ كتبوا على الجدرانِ رقـمَ بطاقتي فنما على الجدرانِ مـرجُ سنابلِ رسموا على الجدرانِ صورةَ قاتلي فمحتْ ملامحَها ظـلالُ جدائـلِ وحفرتُ بالأسنانِ رسـمك دامياً وكتبتُ أغنيـةَ العذابِ الـراحلِ أغمدتُ في لحـمِ الظـلامِ هزيمتي وغرزتُ في شعرِ الشمـوسِ أناملي والفاتحـونَ على سطـوحِ منازلي لم يفتحـوا إلا وعـودَ زلازلي! لن يبصـروا إلا توهّـجَ جـبهتي لن يسـمعوا إلا صـريرَ سلاسلي فإذا احترقتُ على صليبِ عبادتي أصبحـتُ قدّيـساً بـزيِّ مقاتلِ |
| الساعة الآن 08:12 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas