Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
مكتبة روايات غسان كنفاني أرجو التثبيت - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > فلسطين إسلاميه > نبض فلسطين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-31-2007, 08:27 PM   #1
أبو يقين

.|[ رفـحآوي أصـيل ]|.
 
الصورة الرمزية أبو يقين
Real Madrid For Ever

قوة السمعة: 452 أبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond repute

Lightbulb مكتبة روايات غسان كنفاني أرجو التثبيت

غسان كنفاني
أم سَعد
1969

الإهداء
إلى أم سعد ، الشعب والمدرسة.
غ.ك. مدخل





( أم سعد امرأة حقيقية ، اعرفها جيداً، وما زلت أراها دائماً، و أحادثها و أتعلم منها، وتربطني بها قرابة ما، ومع ذلك لم يكن هذا بالضبط ، ما جعلها مدرسة يومية ، فالقرابة التي تربطني بها واهية إذا ما قيست بالقرابة التي تربطها إلى تلك الطبقة الباسلة ، المسحوقة والفقيرة والمرمية في مخيمات البؤس ، والتي عشت فيها ومعها ، ولست أدري كم عشت لها.
"إننا نتعلم من الجماهير، ونعلمها" ومع ذلك فأنه يبدو لي يقيناً أننا لم نتخرج بعد من مدارس الجماهير، المعلم الحقيقي الدائم، والذي في صفاء رؤياه تكون الثورة جزءاً لا ينفصم عن الخبز والماء وأكف الكدح ونبض القلب.
لقد علمتني أم سعد كثيراً ، وأكاد أقول أن كل حرف جاء في السطور التالية إنما هو مقتنص من بين شفتيها اللتين ظلتا فلسطينيتين رغم كل شيء، ومن كفيها الصلبتين الصلبتين اللتين ظلتا، رغم كل شيء، تنتظران السلاح عشرين سنة.
ومع ذلك فأم سعد ليست امرأة واحدة، ولولا أنها ظلت جسداً وعقلاً وكدحاً، في قلب الجماهير وفي محور همومها وجزءاً لا ينسلخ عن يومياتها، لما كان بوسعها أن تكون ما هي، ولذلك فقد كان صوتها دائماً بالنسبة لي هو صوت تلك الطبقة الفلسطينية التي دفعت غالياً ثمن الهزيمة.
والتي تقف الآن تحت سقف البؤس الواطئ في الصف العالي من المعركة ، وتدفع ، وتظل تدفع أكثر من الجميع)


غسان كنفاني


في البداية لن ننسى أن نشكر رفيقي العزيز من غزة (يبوس) الذي تفضل بطباعة عدد من روايات وقصص ومسرحيات الشهيد الراحل غسان كنفاني ...

1-
أم سَعد
والحرب التي انتهت


كان ذلك الصباح تعيساً. وبدت الشمس المتوهجة وراء النافذة وكأنها مجرد قرص من النار يلتهب تحت قبة من الفراغ المروع، كنا نطوي أنفسنا على بعضها كما تُطوى الرايات. وفجأة رأيتها قادمة من رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون، وبدت أمام تلك الخلفية من الفراغ والصمت والأسى مثل شيء ينبثق من رحم الأرض. قمت ووقفت أمام النافذة المشرعة وأخذت انظر إليها تمسي بقامتها العالية كرمح يحمله قدر خفي.
وجاءت زوجتي ووقفت إلى جانبي ونظرت إلى الطريق، ثم قالت لي: "ها هي أم سعد، وقد جاءت".
مثل دقات الساعة جاءت. هذه المرأة تجيء دائماً، تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلماً لا نهاية له، وقالت زوجتي فيما نحن نحصي خطواتها: "ترى..كيف تشعر أم سعد الآن؟".
وقلت لنفسي: "لست أدري" وكنت أنتظرها لا تعلم شيئاً، فوراء ظهورنا تراكمت دروع الجنود المحطمة فوق الرمل المهجور، وشقت طوابير النازحين مسافات جديدة.
كنت اسمع هدير الحرب من الراديو، ومنه سمعت صمت المقاتلين، وهو يتكئ على الطاولة ورائي ينوح مثل أرملة، ويطلي بصوته المهزوم كل أشياء الغرفة بالتفاهة: المكتبة، والمقعد، والزوجة، والأطفال ، وصحن الطعام، وأحلام المستقبل، ويجعل الحبر بلا لون.
وقالت زوجتي: لقد اختفت أم سعد منذ تفجر القتال. وها هي تعود وكأنما على إيقاع الهزيمة..لقد قاتلوا من أجلها وحين خسروا خسرت هي مرتين، تراها ماذا ستقول الآن؟ لماذا تجيء وكأنها تريد أن تبصق في وجوهنا ؟ كيف تراها رأت المخيم حين غادرته هذا الصباح؟.
وظلت الأسئلة معلقة في الهواء، كما لو أنها الغبار الذي لا يرسو، وكدت أراها، مسننة ومدببة وذات رؤوس كالشفرات تسبح في تلك الحزمة الفضية التي كانت تصبها أشعة الشمس في قلب الغرفة، فيما كانت أم سعد ترقى الطريق نحونا، تحمل الصرّة الصغيرة التي تحتفظ بها دائماً، وتسير عالية كما لو أنها علم ما، تحمله زنود لا تُرى.
ودخلت أم سعد، ففوحت في الغرفة رائحة الريف، وبدت لي كما كانت قبل عشرة أيام فقط! يا الهي كم تتغير الأمور وكم تتهدم الصروح في عشرة أيام! وضعت صرتها الفقيرة في الركن، وسحبت من فتحتها عرقاً بدا يابساً، ورمته نحوي:
- "قطعته من دالية صادفتني في الطريق، سأزرعه لك على الباب، وفي أعوام قليلة تأكل عنباً".
- ودورت العرق الذي بدا خشبه بنية داكنة لا تنفع شيئاً بين أصابعي، وقلت لها:
- " أهذا وقته يا أم سعد؟ ".
وأخذت تعيد ربط شالها الأبيض حول رأسها، كما تفعل دائماً حين تكون منصرفة إلى التفكير بشيء آخر، وقالت:
- " قد لا تعرف شيئاً عن الدالية، ولكنها شجرة عطاءة لا تحتاج إلى كثير من الماء. الماء الكثير يفسدها..تقول: كيف؟
أنا أقول لك. إنها تأخذ ماءها من رطوبة التراب ورطوبة الهواء، ثم تعطي دون حساب.
قلت:
- " قضيب ناشف ".
- " انه يبدو كذلك، ولكنه دالية ".
- " هذا ليس مهماً..".
قالت فجأة:
- " انتهى الأمر، أليس كذلك؟"
- " بلى ".
- " وأنت تقول ذلك ".
- واستدارت ، ومضت إلى الشرفة فلحقت بها بخطوات بطيئة، وسألتها:
- " كيف كان المخيم اليوم؟ ".
- وفجأة نظرت إليّ، وبدت لي القصة كلها على جبينها الذي له لون التراب، ثم فرشت كفيها أمامي:
- " بدأت الحرب بالراديو وانتهت بالراديو، وحين انتهت قمت لأكسره، ولكن أبا سعد سحبه من تحت يدي. آه يا ابن العم! آه! ".
واتكأت على حاجز الشرفة، وأخذت تنظر إلى حقول الزيتون المطلة على مدارج التلة، ثم سحبت يدها فوقها جميعها وقالت:
- " والزيتون لا يحتاج إلى ماء أيضاً ، انه يمتص ماءه عميقاً في بطن الأرض، من رطوبة التراب ".
ثم نظرت إليّ:
- لقد ذهب سعد ولكنهم امسكوه، ومنذ يومين كنت اعتقد أنه يحارب. هذا الصباح عرفت أنه كان محبوساً ، يا للعار.
كنت أقول لنفسي: لو مات..
وصمتت فجأة.
- كيف عرفت أنه محبوس؟.
- صباح الاثنين سمعنا الراديو، فحمل أغراضه وجمع رفاقه وطلعوا من المخيم كالعفاريت. أقول لك أنني لحقت به. أخذت طريقاً مختصراً وقابلته قرب مدخل المخيم وأسمعته كيف أزغرط. وقد ظل يضحك حتى اختفى عن أنظاري..ولكن يا حسرة! لم يصل. حبسوه.
- والآن؟.
- ذهب المختار ليرى. مرَّ عليَّ في الصباح وقال لي: لا تخافي يا أم سعد. سأعود لك به. الأهبل، يعتقد أن هذا ما أريده..الأهبل، يعتقد أن ذلك ما يريده سعد. أتعرف؟ سيعود المختار في الليل ويقول لي: ابنك ولد شقي، أخرجته من الحبس فهرب مني نحو الجبل وقطع الحدود..
- يقطع الحدود إلى أين؟.
وبدا لي أنها أشارت بذراعها إلى جهة ما، ثم ارتدت الذراع كأنما من تلقائها، وأخذت تدور حول نفسها، تشير إلى كل شيء، وأخذت أحصي الأشياء التي أشارت إليها الذراع السمراء: المكتبة والمقعد والأطفال والزوجة وصحن الطعام وأنا.
ولأول وهلة لم أصدق، وبدت لي حركة ذراعها وكأنها رمز لشيء شديد التعقيد، لا يمكن أن يرقى إليه عقلها البسيط وعدت أسأل:
- يقطع الحدود إلى أين؟
وشهدت في ركن شفتيها تلك الابتسامة التي لم أرها قط على وجهها، والتي صار يتعين علي منذ الآن أن أراها هناك دائماً، منذ هذه اللحظة، تشبه رمحاً مسدداً، وهذه المرة لم تحرك ذراعها، وقالت:
- كأنك لا تعرف! كأنك لا تعرف! نعم..يقطع الحدود إلى أين؟ هكذا تسأل، هكذا يسألون..لماذا لم تتناول فطورك؟.
وفاجأني السؤال، فالتفت إلى حيث كان الطعام ينتظر منذ ساعتين شهية محكمة الرتاج، كأنها باب أغلق إلى الأبد ولحم مصراعيه صدأ الهزيمة المرة التي لها طعم الذل..وعادت أم سعد تقرع ذلك الباب مرة أخرى:
- لماذا لم تتناول فطورك؟ أنا لم أتناول فطوري أيضاً، أنتظر شيئاً ما يفتح شهيتي ليس للأكل فحسب، ولكن للحياة أيضاً ..أتصدق؟ ليس ثمة من يستطيع أن يفعل ذلك إلاَّ سعد.
وصمتت قليلاً، ثم همست كأنما لنفسها:
- أتعرف؟ إذا عاد سعد إلى البيت الليلة، إذا عاد، فلن أستطيع تناول الطعام..أتدرك الآن لماذا يتوجب عليه أن يقطع الحدود؟
وعاد ذراعها مرة أخرى يشير إلى تلك الحدود، ويدور فوق المكتبة والمقعد والأطفال والزوجة وصحن الطعام وأنا، ثم ظل مصوباً نحوي، مشدوداً كأنه جسر أو حاجز، وسألت:
- وأنت؟ ماذا ستفعل يا ابن العم؟ عشرون سنة مضت و أمس تذكرتك وأنا اسمع في الليل أن الحرب انتهت ، وقلت لنفسي، يجب أن أزوره ، ولو كان سعد هنا لقال لي: هذه المرة دوره هو أن يزورنا..فهل ستفعل؟.
ولم تنتظر جوابي. عادت إلى الغرفة فرفعت عرق الدالية عن الطاولة وأخذت تتأمله كأنها تراه تلك اللحظة للمرة الأولى.
وخطت ببطيء نحو الباب الآخر وهي تقول:
- سأزرعه، وسترى كيف يعطي عنباً، هل قلت لك انه لا يحتاج إلى الماء، وانه يعتصر حبات التراب في عمق الأرض ويشربها؟
وبدت لي وهي تمشي عبر الممر شيئاً شامخاً عالياً، كما كانت تبدو دائماً، ولست ادري لماذا أخذت أفكر بالمختار الذي ذهب يسعى لإطلاق ابنها من الحبس، فسألتها:
- هل قال لك المختار كيف سيفك سعد من الحبس؟
ومن آخر الممر التفتت إلي، وكانت تبدو أمام الباب المفتوح عملاقاً يدخل مع ضوء الشمس، لم اكن لأستطيع أن أرى وجهها بوضوح ، ولكنني سمعتها تقول:
- أما زلت تفكر بالمختار؟





- " ألم أقل لك؟ ".
كان ذلك أول ما قالته أم سعد صباح اليوم التالي، وقد جاءت مبكرة كالعادة، وكنت قد نمت متأخراً، ولكنها لم تنتظر ، ففاجأتني في الفراش، ومضت تقول:
- " ألم اقل لك أن لا تفكر بالمختار؟ أتعرف ماذا حدث؟.
ذهب وأراد أن يأخذ من كل واحد منهم توقيعاً على ورقة يتعهدون فيها أن يكونوا اوادم، ولكنهم رفضوا وطردوه "
- من هم؟
- سعد ورفاقه. قال لي المختار انهم ضحكوا عليه، وان سعد سأله: "شو يعني اوادم؟ " قال المختار انهم كانوا محشورين في زنزانة، وانهم اخذوا يضحكون جميعاً، وان شخصاً لا يعرفه كان بينهم قال له: " اوادم يعني قاعدين عاقلين؟ " فقال رجل ثالث: " يعني ناكل كف ونقول شكراً؟ " وان سعد قام وقال له: " يا حبيبي ، اوادم يعني بنحارب، هيك يعني هيك "..
كانت تتوهج بسعادة غامضة، وجلست على الكرسي وقالت:
- يخزي العين عليهم! كان المختار يحكي لي القصة وكنت اضحك بعبي، وقلت له اخيراً: " مليح اللي ما ضربوك، احمد ربك عالسلامة! " فزعل.
- ورفضوا توقيع التعهد؟
- طبعاً رفضوا..قالوا للمختار " راحت عليك " ، وقد زعل، خصوصاً حين سألهم المختار إن كانوا يريدون شيئاً من المخيم فقال له سعد: " سلم عالأهل يا ابني ".
فزعل لأنه اكبر من سعد، من جيل أبيه، وقال لي إن سعد لم يحترمه، وانه قال له "يا ابني "، كأنه ولد..
- وماذا قلت أنت للمختار؟
- قلت له إن سعد قلبه أبيض، وانه حين قال له يا ابني فهو لم يقصد أهانته، كل ما قصده أن الدور الآن دوره..
- يا أم سعد! أردت تكحيلها فعميتها.!
- أنا؟ أنا قصدت ذلك قصداً..
- والآن ماذا سيفعل سعد؟ ألم يكن خروجه من السجن أفضل؟
وقفت، ونظرت إلي واضعة تلك الابتسامة على ركن شفتيها، وقالت:
- طيب! أنت غير محبوس، فماذا تفعل؟
وكانت الصحف ملقاة على الأرض، والراديو الذي تركته في الليل مفتوحاً أخذ يتلو نشرة الأخبار، وكانت أم سعد تنظر إليّ تارة واليه تارة أخرى، وبدت لي نظراتها، وهي تنتقل مني إليه، إنما تمد بيننا قضبان حديد تعجز كفاي عن هزها، ثم قالت:
- أتحسب إننا لا نعيش في الحبس؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشي داخل ذلك الحبس العجيب؟ الحبوس أنواع يا ابن العم! أنواع! المخيم حبس، وبيتك حبس، والجريدة حبس، والراديو حبس، والباص والشارع وعيون الناس..أعمارنا حبس، والعشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس..تتكلم أنت على الحبوس؟ طول عمرك محبوس..
أنت توهم نفسك يا ابن العم بأن قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريات؟ حبس، حبس، حبس. أنت نفسك حبس..فلماذا تعتقدون أن سعد هو المحبوس؟ محبوس لأنه لم يوقع ورقة تقول انه آدمي..آدمي؟ من منكم آدمي؟ كلكم وقعتم هذه الأوراق بطريقة أو بأخرى ومع ذلك فأنتم محبوسون..
قمتُ، وكانت ترتجف، لا شك أنها كانت المرة الأولى التي رأيتها فيها مجتاحة بمثل ذلك الغضب، قلت لها:
- هدئي أعصابك يا أم سعد..أنا لم أقصد شيئاً.
وبهدوء قالت:
- كل واحد يقول الآن " أنا لم أقصد شيئاً "..فلماذا يحدث كل الذي يحدث؟ لماذا؟ لماذا لا يتركون الطريق للذين يقصدون؟ لماذا أنت لا تقصد شيئاً؟
ثم اقتربت مني.
- اسمع..أنا أعرف أن سعد سيخرج من الحبس. الحبس كله! أتفهم؟
-2-
خيمَة عن خيمَةٍ تفرق



أم سعد، المرأة التي عاشت مه أهلي في " الغبسية " سنوات لا يحصيها العد، والتي عاشت، بعد ، في مخيمات التمزق سنوات لا قبل لاحد بحملها على كتفيه، ما تزال تأتي لدارنا كل يوم ثلاثاء: تنظر إلى الأشياء شاعرة حتى أعماقها بحصتها فيها، تنظر إليّ كما لابنها، تفتح أمام أذني قصة تعاستها وقصة فرحها وقصة تعبها، ولكنها أبداً لا تشكو.
إنها سيدة في الأربعين، كما يبدو لي ، قوية كما لا يستطيع الصخر، صبورة كما لا يطيق الصبر، تقطع أيام الأسبوع جيئة وذهاباً، تعيش عمرها عشر مرات في التعب والعمل كي تنزع لقمتها النظيفة، ولقم أولادها.
اعرفها منذ سنوات. تشكل في مسيرة أيامي شيئاً لا غني عنه، حين تدق باب البيت وتضع أشياءها الفقيرة في المدخل تفوح في رأسي رائحة المخيمات بتعاستها وصمودها العريق، وببؤسها وآمالها، ترتد إلى لساني غصة المرارة التي علكتها حتى الدوار سنة وراء سنة.
آخر ثلاثاء جاءت كعادتها، وضعت أشياءها الفقيرة واستدارت نحوي:
- يا ابن عمي، أريد أن أقول لك شيئاً. لقد ذهب سعد.
- إلى أين؟
- إليهم؟
- من؟
- إلى الفدائيين.
وسقط صمت متحفز فيما بيننا، وفجأة رأيتها جالسة هناك، عجوزاً قوية، اهترأ عمرها في الكدح الشقي. كانت كفاها مطويتين على حضنها، ورأيتهما هناك جافتين كقطعتي حطب، مشققتين كجذع هرم، وعبر الأخاديد التي حفرتها فيهما سنون لا تحصى من العمل الصعب، رأيت رحلتها الشقية مع سعد، مذ كان طفلاً، تعهدته هاتان الكفان الصلبتان مثلما تتعهد الأرض ساق العشبة الطرية، والآن انفتحتا فجأة فطار من بينهما العصفور الذي كان هناك عشرين سنة.
- لقد التحق بالفدائيين.
وكنت ما أزال أنظر إلى كفيها، منكفئتين هناك كشيئين مصابين بالخيبة، تصيحان من أعماقهما، تطاردان المهاجر إلى الخطر والمجهول..لماذا، يا الهي، يتعين على الأمهات أن يفقدن أبناءهن؟ لأول مرة أرى ذلك الشيء الذي يصدع القلب على مرمى كلمة واحدة مني، كأننا على مسرح إغريقي نعيش مشهداً من ذلك الحزن الذي لا يداوى.
قلت لها، محاولاً أن أضيعها وأضيّع نفسي:
- ماذا قال لك؟
- لم يقل شيئاً. فقط ذهب، وقال لي رفيقه في الصباح انه ذهب إليهم.
- ألم يذكر لك قبلاً انه سيذهب؟
- بلى. قال لي مرتين أو ثلاث مرات انه ينوي الالتحاق بهم.
- ولم تصدقي آنذاك؟
- بلى. صدقت. أنا أعرف سعد، وقد عرفت انه سيذهب.
- فلماذا، إذن، فوجئت؟
- أنا؟ لم أفاجأ. إنما أعلمك بالأمر. قلت لنفسي: قد تكون ترغب في معرفة أخبار سعد.
- ولست حزينة أو غاضبة؟
وتحركت كفاها المطويتان في حضنها، ورأيتهما جميلتين قويتين قادرتين دائماً على أن تصنعا شيئاً، وشككت إن كانتا حقاً تنوحان، وقالت:
- لا. قلت لجارتي هذا الصباح. أود لو عندي مثله عشرة. أنا متعبة يا ابن عمي. اهترأ عمري في ذلك المخيم. كل مساء أقول يا رب! وكل صباح أقول يا رب!. وها قد مرت عشرون سنة، وإذا لم يذهب سعد، فمن سيذهب؟
وقامت، ففاض في الغرفة مناخ من البساطة. بدت الأشياء أكثر إلفة، ورأت فيها بيوت الغبسية مرة أخرى، ولكنني لحقت بها إلى المطب، هناك ضحكت وهي تنظر إليَّ، وأخبرتني:
- " قلت للمرأة التي جلست إلى جانبي في الباص أن ولدي أضحى مقاتلاً (آنذاك بدا صوتها، بلا ريب، مختلفاً، ولذلك تذكرت الآن) قلت لها إنني احبه وسأشتاق له، ولكنه جاء ابن أمه..أتعتقد أنهم سيعطونه رشاشاً؟ "
- انهم يعطون رجالهم رشاشات دائماً.
- " والطعام ؟ "
- يأكلون كفاية ، وكذلك يعطونهم السجاير.
- " إن سعد لا يدخن، ولكنني متأكدة انه ستعلم ذلك هناك. يا نور عيني أمه! أود لو كان قريباً فأحمل له كل يوم طعامه من صنع يدي. "
- يأكل مثل رفاقه.
- " اسم الله عليهم جميعاً "
وصمتت لحظة، ثم دارت وواجهتني:
- " أتعتقد انه سينبسط لو ذهبت فزرته؟ أستطيع أن أوفر أجرة الطريق، وأذهب يومين إلى هناك "
وتذكرت شيئاً فأكملت:
- " أتدري؟ إن الأطفال ذل! لو لم يكن لدي هذان الطفلان للحقت به. لسكنت معه هناك. خيام؟ خيمة عن خيمة تفرق! لعشت معهم، طبخت لهم طعامهم. خدمتهم بعيني ولكن الأطفال ذل. "
قلت لها:
- لا ضرورة لأن تزوريه هناك، دعيه يتصرف وحده. إن الرجل الذي يلتحق بالفدائيين لا يحتاج، بعد، إلى رعاية أمه.
ونشفت كفيها بمريولها، وعميقاً في عينيها رأيت شيئاً يشبه الخيبة: تلك اللحظة المروعة التي تشعر فيها أم ما انه صار بالوسع الاستغناء عنها، أنها اطرحت في جهة ما كشيء استهلكه الاستعمال.
ودنت مني تقول:
- " أتعتقد ذلك حقاً؟ أتعتقد انه من غير المفيد أن أذهب إلى رئيسه هناك وأوصيه به؟ "
وتحيرت قليلاً، مستشعرة التمزق ينهكها، ثم سألت:
- " ..أم تراك تستطيع أنت أن توصى رئيسه به؟ تقول له: دير بالك على سعد، الله يخليلك ولادك "
وقلت لها:
كيف؟ إن أحداً لا يستطيع أن يوصي بالفدائي.
- "لماذا؟"
- لأنك أنت تقصدين أن يتدبر رئيسه الأمر بحيث لا يعرضه للخطر، أما سعد نفسه، ورفاقه، فيعتقدون أن أحسن توصيه بهم هي أن يرسلوا على الفور إلى الحرب.
ومرة أخرى جلست هناك، ولكنها بدت قوية اكثر مما رأيتها أبداً، وراقبت في عينيها وكفيها الخشنتين حيرة الأم وتمزقها وأخيراً قر رأيها:
- " أقول لك ،لتكن توصيتك به إلى رئيسه أن لا يغضبه. قل له: أم سعد تستحلفك بأمك أن تحقق لسعد ما يريد. انه شاب طيب، وحين يريد شيئاً لا يتحقق يصاب بحزن كبير. قل له، دخيلك، أن يحقق له ما يريد .. يريد أن يذهب إلى الحرب؟ لماذا لا يرسله؟"
-3-
المطر والرجُل والوَحل




كان صباح الثلاثاء ماطراً، ودخلت أم سعد وهي تقطر ماء. كان شعرها مبتلاً، وينقط على وجهها، فيبدو وكأنه تراب مسقي. تناولت معطفها، فيما وضعت المظلة الكالحة في الزاوية كما يوضع السيف المتعب، وقالت:
- هذا ليس مطراً، السماء، يا ابن عمي، تكب سطولاً. وابتسمت، ولكنني رأيت شريطاً من الوحل الأحمر يطوق طرف ردائها وهي تستدير. قلت لها:
- ماذا يا أم سعد؟ هل وقعت؟
وبسرعة التفتت إلي:
- وقعت؟ أم سعد لا تقع. لماذا؟
- ثمة وحل على تنورتك.
حكت الوحل بإصبعها الخشنة، ثم تركته لشأنه حين أحست أنه ما زال طرياً، وقالت:
- طاف المخيم في الليل..الله يقطع هالعيشة.
واهتز الجبل أمامي، ثمة دموع عميقة أخذت تشق طريقها إلى فوق،لقد رأيت أناساً كثيرين يبكون. رأيت دموعاً في عيون لا حصر لها، دموع الخيبة واليأس والسقوط. الحزن والمأساة والتصدع. رأيت دموع الوجد والتوسل. الرفض الكسيح والغضب المهيض الجناح. دموع الندم والتعب. الاشتياق والجوع والحب، ولكنها أبداً أبداً لم تكن مثل دموع أم سعد: لقد جاءت مثلما تتفجر الأرض بالنبع مثل أول الأبد، مثلما يستل السيف من غمده الصامت، ووقفت هناك على بعد لحظة واحدة من بريق العين الصامدة. عمري كله لم أرَ كيف يبكي الإنسان مثلما بكت أم سعد. تفجر البكاء من مسام جلدها كله. أخذت كفاها اليابستان تنشجان بصوت مسموع. كان شعرها يقطر دموعاً. شفتاها، عنقها، مزق ثوبها المنهك، جبهتها العالية، وتلك الشامة المعلقة على ذقنها كالراية، ولكن ليس عينيها.
- ولو يا أم سعد؟ أنت تبكين؟
- أنا لا أبكي يا ابن عمي. أود لو أستطيع. لقد بكينا كثيراً. كثيراً..كثيراً. أنت تعرف. بكينا أكثر مما طافت المياه في المخيم ليلة أمس، وذات صباح كان سعد قد ذهب. انه يحمل مرتينة الآن، وتشتي عليه ماء ورصاصاً. لا أحد يبكي الآن، ولكنني يا ابن عمي، صرت امرأة عجوزاً. صرت أتعب. أمضيت كل الليل غارقة في الوحل والماء. عشرون سنة…
وصل النشيج إلى حلقها فاعترض الكلمة. فرشت راحتيها أمامي وابتلعت الغصة التي كدت أسمع صوت سقوطها في صدرها المملئ بحطام العذاب والأسى..
- ماذا أقول يا ابن عمي؟ في الليل أحسست بأنني قريبة من النهاية..ما النفع؟ أريد أن أعيش حتى أراها. لا أريد أن أموت هنا، في الوحل ووسخ المطابخ..هل تفهم ذلك يا ابن عمي. أنت تعرف كيف تكتب الأشياء، أنا لم أذهب إلى مدرسة في عمري؟ ولكننا نحس مثل بعضنا. يا ربي! ماذا أقول؟ أمس في الليل فكرت بذلك جيداً، ووجدت الكلمات المناسبة، وفي الصباح نسيتها..طيب! أنت تكتب رأيك، أنا لا اعرف الكتابة، ولكنني أرسلت ابني إلى هناك..قلت بذلك ما تقوله أنت.أليس كذلك؟.
شعرت بذلك النصل الذي ينبثق فجأة من أحضان الكلمة البسيطة، وينقذف في صدورنا بسرعة الرصاصة وتصويب الحقيقة، ولوهلة رأيت شريط الوحل الداكن الذي كان يتدلى على طرف ثوبها شيئاً يشبه تاج الشوك.
- تعالي يا أم سعد. اجلسي هنا. أنت متعبة فقط، وربما كان شوقك لسعد وقلقك عليه هما اللذان يصدعان رأسك. وكذلك الطقس أنت تشعرين بالتعاسة لأنك تعرفين بأن المطر سيستمر طوال النهار، وستعملين في جرف الوحل طوال الليل. تعالي اجلسي، لا تسمحي لذلك كله أن يهدمك."
جلست، وتنفست الصعداء مثلما يفعل الإنسان حين يريد أن يهيل على الغيوم السوداء في صدره هواء نقياً:
- " لا، يا ابن عمي. أتعرف ماذا كان يفعل سعد حين يطوف المخيم؟ كان يقف ويتفرج على الرجال وهم يجرفون الوحل، ثم يقول لهم: " ذات ليلة سيدفنكم هذا الوحل". ومرة قال له أبوه: لماذا تقول ذلك؟ ماذا تريدنا أن نفعل؟ هل تعتقد أنه يوجد مزراب في السماء وأن علينا أن نسده؟ وضحكنا كلنا، ولكنني نظرت إليه رأيت في وجهه شيئاً أرعبني، كان منصرفاً إلى التفكير وكأن الفكرة راقت له، كأنه سيذهب في اليوم التالي ليسد ذلك المزراب.
- ثم ذهب؟.
- ثم ذهب.
ونظرت إلى مباشرة..كان ثمة ارتداد لا يصدق. تراجع طوفان الدموع الذي كانت تسبح فيه و أشرقت كما يضاء الشيء من الداخل.
- أتعرف، ي ابن عمي؟ أنا لست قلقة عليه. لا. هذا ليس صحيحاً. قلقة. قلقة وغير قلقة. ربما كان لديك، أنت الذي ذهبت إلى المدرسة، اسم لهذه الحالة..فأمس فقط جاء رفيقه وقال لي انه بخير.
- جاء عندك؟
- لم أر وجهه. كان الليل ثقيلاً، وكنا نشتغل بالوحل والماء حين جاء ووقف بجانبي. كان عملاقاً، يخزي العين العين، وقال لي: " سعد يسلم عليك. انه بخير. وسيهديك غداً سيارة " ثم ذهب.
- يهديك سيارة؟
- أجل. ألا تعرف؟ يعني انه سينسف سيارة.
- وهل فعل؟
- ماذا؟ سعد لا يقول شيئاً ثم لا يفعله. أنا اعرفه جيداً. وفي الخارج، شقت الشمس طريقها وسط الغيوم الداكنة مثلما يشق المحراث ثلماً في الأرض، وقذفت حزمة دفء في الغرفة. أكانت الصدفة أن سقطت الشمس على وجهها وهي جالسة هناك؟ لقد ابتسمت، وبدت قوية وشابة كما كانت تبدو دائماً.
لقد انتظرت حتى المساء لاسمع نبأ سقوط سيارة إسرائيلية في كمين مقاتلين. وارتقبت بلهفة أن أسمع تلك التتمة الرائعة للخبر: " وعاد الفدائيون إلى قواعدهم سالمين ". لست ادري لماذا مضيت من توي إلى المخيم، وفي مستنقع الوحل شهدت أم سعد واقفة مثل شارة الضوء في بحر لا نهاية له من الظلام، وقد رأتني قادماً، فلوحت بيديها، كان صوتها أعلى من صوت الرعد المدوي في سقف السماء، وانهمر الصدى من كل صوب كالشلال:
- ارأيت ؟ قلت لك إن سعد سيهدي أمه سيارة.
وكان المطر ينهمر، ولم يكن رذاذه الصاخب في تلك اللحظة إلا تطاير الماء أمام زورق صامد يشق طريقه كالقدر
4-
في قَلبِ الِدّرع




كانت الضحكة تملأ وجهها كما لم أرها أبدأً، ووضعت أم سعد أشياءها الفقيرة في الزاوية، وقالت:
- جاء سعد.
وحومت في الغرفة فيما كان الدوي في الخارج يستقبل مجيء العيد، وجلست، واضعة كعادتها كفيها في حضنها مطويتين إلى بعضهما على تلك الصورة الفريدة التي تشبه عناقاً حميماً، وأمامي برقت عينا سعد وراء مدفعه القصير، قادماً وهو مضرج بالتراب من وراء الليالي الطويلة التي غابها، وسألتها:
- لقد غاب سنة.
- كلا. تسعة شهور وأسبوعان، جاء أمس.
- سيظل.
- لا. قطبوا له ساعده، كانت رصاصة قد..
وشمرت عن كمها، وأرتني كيف شقت الرصاصة لحم الساعد من الرسغ إلى الكوع، وفي ساعدها الأسمر القوي الذي يشبه لونه لون الأرض، رأيت كيف للأمهات أن ينجبن المقاتلين، وخيل الي لوهلة إنني أرى أثراً لجرح عتيق، ملتحم ولكنه كامن، يمتد من رسغ أم سعد إلى كوعها، وقلت:
- أنت أيضاً.
- أنا؟ آه، ذلك جرح عتيق، من أيام فلسطين..سرق الواوي دجاجة فسحبته من تحت سلك شائك وطققت له رقبته، جرحني السلك يومها.
- وسعد؟
- يقول انه سيرجع حين يلتئم الجرح.
ولاحظت، لنفسي، كيف قالت أنه " سيرجع " ولم تقل انه " سيذهب "، ولكنني لم أفكر كثيراً، كانت أم سعد علمتني طويلاً كيف يجترح المنفي مفرداته وكيف ينزلها في حياته كما تنزل شفرة المحراث في الأرض، وقالت:
- " أسم الله عليه، انه يحمل ساعده كما يحمل النيشان، قال انه صار قائد فرقته، وانهم يسألونه دائماً: لماذا، يا سعد توسع خطواتك؟ انه في الأمام، وقلت له: أبن أبوك."
- اشتاق لك كثيراً؟
- " من؟ سعد؟ يخزي العين. عبطني لحظة واحدة وتركني، فقلت له: ولو يا سعد؟ إلا تعبط أمك وتبوسها بعد هذا الغياب؟ أتعرف ماذا قال؟ قال: ولكني رأيتك هناك. وضحك ".
- كيف رآك هناك؟
- قال انه كان في فلسطين. غرب كثيراً، وظل يمشي جمعة أو أكثر مع أربعة من رفقائه. قال انه قرب كثيراً من البلد، ثم اختبأوا في الزرع، لم أفهم لماذا، كان يحكي وكنت انظر في عينيه، يا عيني عليه، يا عيني عليهم كلهم، كان يحكي وكنت أقول لنفسي: كان هناك، فلم افهم لماذا اختبأوا في الزرع..قال انهم..
***

جاعوا، وأخذت السماء تزخ. حين يسقى فولاذ الرشاشات تضحي له رائحة الخبز، هكذا قال سعد.
كانوا قد حوصروا، إلا انهم احتفظوا بمكمنهم هادئين، وقدروا أن الحصار سينفك بعد ساعات. امتد الحصار أياما حتى أنهكهم الجوع، وأخيراً وصلوا إلى باب خيارين: أن يظلوا كامنين، طاوين أنفسهم على عذاب أخذ يشتد ولا يعرفون متى يمضي، أو أن يتركوا لاحدهم أن يجرب مغامرة الذهاب إلى القرية القريبة.
كان الخيار صعباً، قال سعد، وقرروا الانتظار حتى المساء قبل أن يعقدوا العزم على قرار.
وعند الظهر قال سعد لرفاقه: ها قد جاءت أمي!
ونظر الرجال إلى رأس الطريق المنحدر كالثعبان من التلة، وخناك رأوا امرأة في ثوبها الريفي الطويل الأسود تنزل قادمة صوبهم. تحمل على رأسها بقجة، وفي يدها رزمة من العروق الخضراء.
وبدت لهم عجوزاً، في عمر أم سعد وفي قامتها العالية الصلبة، ومن خلال الصمت المخيم كصمت الموت، كان صليل الحصى تحت قدميها العاريتين يسمع كأنه الهمس.
وقال أحد الأربعة:
- أمك؟ أمك في المخيم يا أخوت..ضربك الجوع بالعمى!
وقال سعد:
- انتم لا تعرفون أمي..إنها تلحق بي دائماً، وهذه أمي.
وصارت المرأة في محاذاة مكمنهم، وباتوا يسمعون حفيف ثوبها الطويل المطرز بالخيوط الحمراء، ونظر إليها سعد، من خلال أشجار العليق التي تسد مكمنه، وفجأة ناداها:
- " يما يما ".
- وتوقفت المرأة لحظة، وأدارت بصرها في الحقول الصامتة حولها، وظلوا يراقبونها صامتين فيما أمسك أحدهم بذراع سعد وضغط عليها محذراً، لحظة، لحظة أخرى، احتارت المرأة، ثم عادت تسير.
خطوتان، ثلاث خطوات، واعاد سعد نداءه:
- "يا يما ، ردي علي! "
مرة أخرى وقفت المرأة، ونظرت حولها محتارة، وحين لم ترَ شيئاً أنزلت الصرة عن رأسها ووضعتها على الأرض وأراحت فوقها رزمة العروق الخضراء، وحطت كفيها على خاصرتيها وأنشأت، بعينيها، تنقب في دغول العليق حولها.
وقال سعد:
- " أنا هون يما "!
والتقطت العجوز مصدر الصوت، فتأملته برهة إلا أنها لم ترَ شيئاً، وأخيراً انحنت فلمت قضيباً مشقت عنه أوراقه وخطت نحوهم خطوتين، ثم وقفت ونادت:
- "لماذا لا تخرج وتريني نفسك؟ "
ونظر الرجال نحو سعد الذي تردد برهة، ثم علق رشاشة على كتفه، وسار بهدوء نحو المرأة:
- " أنا سعد ، يا يما ، جوعان "!
وسقط القضيب من يد الفلاحة العجوز وهي تحدق الى الشاب الذي ولده الدغل الشائك ينحدر نحوها بالكاكي وبالرشاش على كتفه، أما رفاقه فقد هيأوا بنادقهم، فيما أخذ سعد يقترب من العجوز.
وقالت المرأة:
- " يجوع عدوينك يا ابني..تعال لعند أمك "
وأقترب سعد أكثر، كانت خطواته مطمئنة وكان رشاشة ما زال يتأرجخ على كتفه من غير اكتراث، وحين صار على بعد خطوة منها فتحت ذراعين واحتضنته: " يا حبيبي..يا ابني..الله يحميك".
وقال سعد:
- " يا يما، بدنا أكل "
وانحنت المرأة فناولته الصره، وحين أخذها رأى عينيها تدمعان، فقال لها:
- " حلفتك بالنبي لا تبكي يا يما !"
قالت العجوز:
- " معك بقية الأولاد؟ أطعمهم. في المغرب سأمرق من هنا واضع الزوادة على الطريق..الله يحميكم يا أولادي "
وعاد سعد بالزوادة، ولم يلحظ رفاقه أية دهشة في ملامحه. أكلوا، وقال أحد رفاقه:
- " لنغير مكاننا، فقد تعود بالعسكر "
إلا أن سعد لم يرد، وبعد قليل قال لهم:
- إنها أمي، وقد رأيتم ذلك بأنفسكم، فكيف تعود بالعسكر؟ "
وفي المساء جاءت العجوز فوضعت الزوادة، ووضعتها هناك فجر اليوم التالي، وفي كل مرة كان سعد يناديها من وراء الدغل:
- " يسلموا ايديكي يما "
ويسمعونها تقول:
- " الله يحميك يا ابني "
***

قالت أم سعد: تلك المرأة العجوز ظلت أيام خمسة تطعمهم..قال لي سعد إنها لم تتأخر ساعة واحدة، حتى انفك الحصار، جاءت فوضعت الزوادة ونادت: " العسكر راحوا..الله يوفقكم "..
وعادت أم سعد فطوت راحتيها على حضنها كما يتعانق مخلوقان لا فصام بينهما، وقالت: سعد يقول انه رآني هناك، وانه لولا أن أطعمته لمات جوعاً، ولولا أن دعوت له لقتلته الرصاصة التي شطفت لحم ساعده.
وقامت، ففاحت في الغرفة رائحة الريف الذي كمن فيه سعد، محاطاً بذلك الدرع الذي لا يصدق، وقالت:
- " سيرجع بعد أن يلحم جرحه، قال لي ألا أشتاق له كثيراً فهو يراني هناك دائماً..ماذا تريدني أن أقول له؟ قلت له: الله يكون معك ويحميك."
واستدارت، خطوة، خطوتين، وفجأة سمعت نفسي أنادي:
- " يا يما "
فوقفت.

-5-
الذينَ هَرَبوا والذينَ تقَدمُوا



فرشت أم سعد راحتيها أمامي، ورأيت بين شقوقهما التي أهترأت مع التعب والعذاب، آثاراً حمراء لخيوط من الجروح لم تلتئم تماماً بعد، فسألتها:
- ما الذي حدث يا أم سعد؟ هل اعتركت مع شجرة عليق؟
وعادت تدفع أمام وجهي راحتيها اللتين تشبهان جلد أرض يعذبها العطش، ثم قالت:
- لا، يا ابن عمي، لقد أمضيت ليلة أمس الأول ألم عن الأرض قطعاً حادة من المعدن..
- ليلة أمس الأول؟

***

..كانت أم سعد تعشي ابنها الصغير حين سمعت دوي الانفجار الأول. مخيم البرج لا يبعد كثيراً عن المطار، ولأول وهلة قالت لنفسها: هناك من بكر بالاحتفال بعيد رأس السنة. ثم أصاخت السمع، فقد قالت لها أحاسيسها أن الجو يحب بخطر أشد.
كان نهارها صحراء قاحلة من التعب المضني. منذ أبكر الصبح وهي تعتصر الملابس والمماسح، تنظف الشبابيك وتجلو الأرض وتنفض السجاجيد( في بيوت الآخرين، طبعاً ، فبيتها في المخيم غرفة مشطورة من النصف بحائط من التنك). كانت متعبة، وقد أخذت تعشي ابنها الصغير لتضعه في فراشه وتنام، حين سمعت دوي الانفجار الأول.
ولم تتردد لحظة حين سمعت الانفجار الثاني، فتركت صغيرها وعادت إلى الخارج، وفوق كثبان الرمل الأحمر مضت نحو الطريق، وهناك استطاعت أن ترى أذريعة النار تغوص في غيوم الدخان الماضي إلى العتمة.
وقفت أم سعد هناك حائرة، كانت تسمع الدوي وتسمع أزيزاً غامضاً، ولكنها لم تكن تعلم بالضبط ماذا يتعين عليها أن تفعل.
***

- هل كنت وحدك هناك؟
- وحدي؟ ماذا تعتقد يا ابن العم؟ وحدي؟ كنا كالنمل. كل نساء المخيم وأولاده وشبابه خرجوا كأنهم اتفقوا على ذلك سلفاً، ووقفنا جميعاً هناك. لا نعرف ماذا يتعين علينا أن نفعل. وفي الأفق كنا نرى الحرائق، ثم سمعنا محرك طائرة يجرش عن قرب، فرفعنا رؤوسنا إلى فوق.
***

جاءت الطائرة، مطلية باللون الأسود، وحلقت على علو خفيض، وأخذت تزح رصاصها على الشارع، وسمعت أم سعد صوتاً معدنياً كالرنين يملأ الطريق، وفي اللحظة التالية تقدمت نحو الإسفلت، ورفعت بين أصابعها قطعة حديد ذات أربعة رؤوس مسننة.
قالت أم سعد لرفيقاتها:
- هذه الحدائد تفرقع دواليب السيارات
ودورتها بين أصابعها، ثم قالت:
- يا صبايا، لنلمها ونقذف بها إلى الرمل..
واندفعت النساء، ومن ثم اندفع الأولاد، إلى الطريق المظلم وأخذوا يجمعون قطع الحديد بأيديهم العارية ويقذفون بها إلى الرمل، وبسرعة انتشروا، كالأشباح، على طول الطريق، ينظفونه من العراقيل، وفي كل مرة كانت الطائرة تعود كانوا يقذفون بأنفسهم إلى الرمل، ثم يعودون إلى الطريق مع ذهابها.

***

قالت أم سعد:
- كانت الطائرة تحلق على علو منخفض جداً، تكاد تمس رؤوسنا، وفي مرة كانت قريبة منا إلى حد اعتزمت أن اقذفها بحجر، ولكنها مضت مسرعة، بعد أن رمت حفنة جديدة من تلك الحدائد الشيطانية، ولكننا أسرعنا فلممناها.
- لقد نظفتم الطريق إذن؟
- في اللحظة ذاتها. كنا كالعفاريت، ولكن السيارات التي تركها أصحابها مع الغارة في منتصف الطريق كانت في وضع غير مناسب، وقد حاولنا أن ندفشها إلى اليمين، أو إلى اليسار، إلا أنها لم تتزحزح، ثم خفنا أن يرانا أصحابها فيقولون إننا كنا نحاول سرقتها.
- ولو! ولو يا أم سعد؟
- أجل. أنت لا تعرف شيئاً..ما الذي أستطيع أن أفعله حين يؤشر صاحب سيارة عليّ، وأنا في ملابسي الرثة وشعري الذي طير ريح الطائرة غطاءه، ووجهي الملطخ بالرمل والعرق..ويقول: رأيتها تسرق سيارتي؟
- غلطانة يا أم سعد. أنت كنت تقومين بعمل عظيم..
- اعرف، ولكنني يا ابن العم لا أستطيع أن أثق برجل ترك سيارته في عرض الطريق، تسد الدرب، وهرب..في لحظة مثل تلك اللحظة..لا، لا أستطيع أن أثق!.

***

هدأت النار، وظل الدخان يطرش الأفق، ووقفت أم سعد على الرمل تنظر إلى كفيها المجرحتين، وبدأ الأطفال يعودون إلى بيوتهم.
وأخذت لبرهة، تفكر بسعد وأحسته في جسدها كما كان يوم أن ولد، يرجها بمشاعر لا تستطيع أن تعرف طبيعتها، يملؤها بنوع مذهل من الثقة بالمستقبل ومن الأمل فيه.
في مكان ما، قالت لنفسها، يقف سعد الآن تحت سقف من الدخان، ثابت الساقين كما كان دائماً، كأنه شجرة، كأنه صخرة، يقبض بسلاحه ثمن ذلك الدخان كله.

***

عادت أم سعد، ففرشت راحتيها أمامي، كانت الجروح تمتد فوق خشونتها انهراً حمراء جافة، تفوح منهما رائحة فريدة، رائحة المقاومة الباسلة حين تكون جزءاً من جسد الإنسان ودمائه.
قلت لها: لا عليك..إنها جروح بسيطة..
- هذه؟ طبعاً، ستمحى. ستمحوها الأيام. سيملؤها غبار التعب، سيتراكم فوقها صدأ الأواني التي أغسلها، وذرات البلاط الذي أمسحه، ورماد المنافض التي أنظفها، وعكورة المياه التي أغسل بها .. اجل يا ابن العم، أجل.. ستغرق هذه الجروح تحت سواقي التعب، يجففها اللهاث، وتغتسل طوال النهار بالعرق الساخن الذي أعجن فيها خبز أولادي..نعم يا ابن العم..ستضع الأيام الذليلة فوقها قشرة سميكة، وسيضحى من المستحيل على أي كان أن يراها، ولكنني أعرف، أنا التي أعرف، أنها ستظل تحزني تحت تلك القشرة. أعرف!
-6-
الرسَالة التي وَصَلت
بَعدَ 32 سَنَة


أخذت أم سعد تتذكر، يومها، أياماً بدت بعيدة، وتحدثت عن رجل اسمه "فضل"، تراه قتل في 1948 أم بعد ذلك؟ إنها لا تذكر بالضبط، ولكن ذلك لم يكن مهماً تماماً، فقد كان الأمر كله منذ البدء يتعلق برجل آخر.
جاءت يومها مهمومة، وأخذت تدور في أنحاء الدار غير عارفة ماذا يتعين عليها أن تفعل بالضبط، وبدت لي ضائعة لا تسمع ما أقوله، ثم غابت في الشرفة منصرفة إلى عمل ما لم يبد لها، ولا لي، ضرورياً أبداً، وقالت زوجتي: " ثمة شيء ما يجثم بالهم على كتفيّ أم سعد ".
وأنا الذي أعرف أن أم سعد صندوق مغلق على همه، لا يبوح لأحد إذا ما ضجت أصوات التعب والقلق والخوف من المجهول، وكدت أمضي إلى شأني لو لم تسألني عما إذا كنت أعرف فلاحاً من الغبسية كان اسمه " فضل "، أو عما إذا كنت سمعت عنه.
وحين قلت لها إنني لم أسمع عنه زمت شفتيها محتارة، ثن سألتني إن كنت أعرف رجلاً اسمه " عبد المولى..".
كان من قرية تقع إلى الشرق من الغبسية:
- أهو الرجل الذي يشتغل مع الإسرائيليين وقد صار عندهم نائباً في البرلمان؟
- هو بعينه.
- وما الذي جعلك تتذكرينه؟
وبدت محتارة، والى حد غامض بائسة وتعسة وغير راغبة في الكلام، وأخذت أستحثها يدفعني فضول لمعرفة معنى ذلك الانبثاق الغريب لأناس ظلوا غائبين عنها وعن ذاكرتها عشرين سنة، وأخيراً اعترفت بصوت كالهمس أن " عبد المولى" قتل " فضل".
قالتها باختصار مدهش، ومع ذلك فقد صار الأمر أكثر غموضاً وتعقيداً، ومضت تحوم مثل دوري يشعر بالبرد ويفتش عن ملجأ.
- أحدث مكروه لسعد؟
- بعيد الشر، وأمس فقط بعث لي خبراً، والصحيح يا ابن العم إنني محتارة؟
- ماذا حدث يا أم سعد؟
ومن صدرها أرجت ورقة مطوية معلوكة ودفعتها نحوي:
- قرأها لي حسن، ومن ساعتها وأنا مهمومة.
كنت أعرف خط سعد، وقد كان خطه، بقلم رصاص سميك الرأس. يتحدث عن رفيق له اسمه "ليث" وقع في الأسر، وعلم سعد أن أهله قد يبعثون إلى " عبد المولى" طالبين منه بحكم علاقات عائليه قديمة تربطهم به أن يتوسط لابنهم الأسير، وحاولت أن أمضي في قراءة تلك الرسالة الغريبة، إلا أن الخط بدا مشوشاً وغائباً في ثنيات الورقة واهترائها.
- وما الذي يقلقك أنت يا أم سعد؟
- سعد يقول لي أن أذهب إلى أمه، وان أقول لها لا.
- وهل ذهبت؟
- مررت في الصباح قرب بيتهم في الميم، وتحيرت أمام الباب. هذا شيء صعب. يا ابن العم، صعب. أنت في هذه الحالة تقول لهؤلاء الناس، مهما قلت " تفو عليكم".
- وما علاقة سعد بهذه القصة؟
- انه يعرف " ليث " منذ كانا صغيرين، وأنا أظن أن ليث قد أوصى سعد. لماذا أكذب عليك؟ ليث قال لسعد انه إذا حدث له شيء، وحاول أهله الكتابة لابن عمهم عبد المولى، فما على سعد إلا أن يطخهم.
وجلست على المقعد مثلما يسقط الشيء من تلقائه، واضعه راحتيها فوق بعضها في تلك الحركة الفريدة التي تشبه عناق طيرين، وكان بالوسع رؤية رسالة سعد تطل بطرفها الأبيض من بين راحتيها، ذات صوت نائح قادم من بعيد وليس بالوسع رده أو طيه، وفجأة أحست أنها نقلت إليّ همها كله وأسقطته على كتفي، ثم قالت:
- أنا اعرف سعد، سيفعل.
- وهل تأكدت أن أهل ليث كتبوا إلى عبد المولى؟
- لا لم أتأكد، وعلي أن أفعل، هذا هو الشيء الصعب..ماذا تعتقد؟ لو كنت متأكدة من شيء لما ترددت في شيء، ولكن أن اذهب إلى أم ليث، وأقول لها: صباح الخير يا أم ليث، يا فتاح يا عليم، سعد يقول لكم..لا.
- ذلك شيء لا يستطيع الإنسان أن يفعله بسهولة، ومنذ ليلة أمس وأنا كمن يحمل على ظهره كيس بلان..أقول لك الصحيح، منذ أن سمعت اسم عبد المولى يقرأه لي حسن تزرزع بدني كمن ركبته العفاريت..هذا الرجل يا سبحان الله كنت اتوغوش منه منذ زمان، من أيام فلسطين".
سألت، بدافع الفضول الذي كان ما يزال يمتلكني:
- قبل ان يموت فضل؟
- تذكرت فضب على الفور. أنت لا تستطيع أن تتذكر عبد المولى مفصولاً عن فضل، وقد جاء الاثنان معاً على رسالة سعد.
- قلت أن عبد المولى قتل فضل؟
- ليس تماماً. يعني انه لم يحمل باروده ويطخه.
- كيف إذن؟
- عبد المولى كان متزعماً حمولته، رجل عنده أرزاق ويشغل الفلاحين ويملك زيتوناً وتبغاً يبيعه لشركة قرمان.. أنت لا تذكر تلك الأيام، وطبعاً أنت لا تعرف فضل، فضل فلاح من حالاتنا، لا ارض ولا ميَّ، وفي سنه ال36 طلع فضل إلى الجبل. كان حافي القدمين، وحمل مرتينة وغاب طويلاً.

***

كانت أم سعد ما تزال صبية آنذاك في مطلع عمرها، تسمع عن الأمور ولا تدركها تماماً، تتحدث عن إضراب ال6 أشهر وعن الفلاحين الذين حملوا السلاح وطلعوا إلى الجبل:
- وبعدين جاء المكتوب من ملوك العرب، ونزل الرجال إلى بيوتهم، وأنا لا اذكر الأشياء تماماً، وإذا سألتني الآن كيف..لما عرفت، ولكنني اذكر الأشياء تماماً حادثاً واحداً، فقد قالوا أن القرية الفلانية ستقيم احتفالاً. يا حسرة! احتفال لماذا؟ على كل حال يومها قالوا لنا أن نذهب إلى هناك، وكان الذهاب ببلاش، فرحنا نتفرج.
وعاد فضل، مع من عاد، إلى القرية: نزل من التلال حافي القدمين كما صعد إليها وكما عاش فيها، ويبدو أن الطريق كانت طويلة فوصل إلى الساحة مع آخر من وصل من القرى المجاورة، ممزق القدمين والثياب ومتعباً ومستنزفاً حتى آخر أنفاسه، ولم يجد فضل مكاناً في الساحة المحتشدة بالناس غير عتبة دار تقع في آخرها، فجلس يهدئ أنفاسه ويتدبر أمر قدميه الممزقتين المحشوتين بالتراب والشوك والدماء.
- كنت واقفة مع النسوان غير بعيدة عنه، وفي البدء لم أنتبه إلى وجوده لولا أن سمعت امرأة تقول لأخرى انه فضل الذي يعمل في المعاصر والذي كان من أول الذين طلعوا إلى الجبل. م اخذ الناس يصفقون، ونظرنا إلى الأمام فرأينا عبد المولى يصعد إلى الطاولة ويبدأ بالحكي، وهات يا تصفيق. لست أذكر الآن عما تحدث يومها، ولكن لا شك انه حكى عن الثورة والانتصار والانكليز واليهود، ولا أعرف لماذا في تلك اللحظة نظرت إلى فضل، فرأيته يمد ذراعه مشيراً إلى الناس ويقول شيئاً، لأول وهلة حسبت انه يطلب شربة ماء أو أكلاً، فذهبت نحوه علني أساعده، ولكنني عرفت حين صرت قربه انه كان كمن يحدث نفسه، ولم اعد أنسى ذلك أبداً. الصحيح يا ابن العم ان كل شيء أعرفه عن فضل.
- وماذا كان يقول؟
- سمعته يقول: " ولكو، إسّا أنا الذي تمزعت قدماه، وهذا الذي تصفقون له"؟ ولا أعرف لماذا ظلت هذه الجملة في رأسي طول الوقت. أنت تعرف، لم أكن أذكرها كل يوم، ولكنها كانت في رأسي، وحين جاء مكتوب سعد جاء الاثنان معاً، عبد المولى وفضل..
وعادت ففرشت الورقة البيضاء التي هرأها الطي أمام عيني. ورأيت فيها على صغرها واختصارها رواية طويلة لا تكاد تصدق، ومضت أم سعد تقول:
- والآن، عبدا لمولى مرة أخرى بعد عشرين سنة، هل تتصور ذلك يا ابن العم؟ كيف يمكن لذلك أن يحدث؟ إنني لا أتحدث عن "ليث" ، ولكن فضل..هل تفهم ماذا أقصد؟ فضل مات بعد ذلك، بعضهم يقول انه مات مسلولاً في المعصرة، وبعضهم يقول انه زلق ووقع في الوادي، وبعضهم يقول، انه قتل في حرب ال48، بل إن بعضهم يقول انه طلع من فلسطين في ال49 وعاد إليها فقتلوه في الطريق، ولكن ذلك ليس هو الموضوع. أنا أتصوره دائماً جالساً على العتبة والدم ينزف ممزوجاً بالتراب والغبار من قدميه، و أتصوره ميتاً، وفي نفس الوقت اسمع أصوات التصفيق والتهاني والزغاريد..وعبد المولى، مثلما قلت، صار مهماً هناك، خاين ولذلك مهم عندهم. في البرلمان، كما قلت. يا حيف!
وقامت، وأخذت تحوم من جديد وكأنها مربوطة إلى تلك الورقة التي كتبها سعد في مكان مجهول، ( ربما أسندها إلى جذع شجرة، أو إلى ذراع سلاحه، لذلك بدت الخطوط خشنة سميكة مقطعة ) وقلت لها:
- وما الذي ستفعلينه الآن يا أم سعد؟
ومضت تهز رأسها محتارة، ثم اهتدت إلى أول الخيط:
- لو ذهبت عن أم ليث وذكرتها بحكاية فضل وعبد المولى، أينفع ذلك شيئاً؟
- ربما، ولكن لماذا تتحدثين وكأنك متأكدة من أن أهل ليث يفكرون في الكتابة لعبد المولى؟
- لا..أنا لست متأكدة من شيء، ولكن لا بد من أن أفعل شيئاً..آه يا ابن العم! لو يومها قام فضل عن العتبة وطخ عبد المولى، أما كانت هذه المشكلة قد انتهت؟
التزمت الصمت، فقد كدت أقول لها انه لو حدث ذلك لما حدثت أشياء كثيرة، ولما أمضت هي عشرين سنة في المخيم، ولكنني عدت فقلت:
- لو فعل ذلك لقتله الناس.
- صحيح، يومها، لقتله الناس..كان أحسن له أن يظل في الجبل..ولا يحضر تلك الحفلة.
- لو ظل بالجبل، يا أم سعد، لما استطاع عبد المولى أن يقيم الحفلة.
- صحيح، لو ظلوا كلهم، ولكن ماذا حدث؟ المسكين فضل ركبوا على ظهره، في المعصرة وفي الجبل، ثم في المعصرة، ولو جاء إلى المخيم لركبوا أيضاً على ظهره.
- لذلك يريد سعد أن يمنع ذلك، وهل عرفت الآن، انه يريد ألا يجعل من ليث"فضلاً" آخر..
استدارت، ونظرت إليَّ مباشرة: ذلك الرمح الذي تسدده في لحظات النبوؤة بسرعة الرصاصة وتصويب الحقيقة، ومدت نحوي بذراع بطيئة ولكن صلبة تلك الورقة المهترئة البيضاء التي تشبه طائر طريد قادم من مكان يعبق برائحة الموت والصمود، جاءت كلماتها مشدودة كأنها القصف:
- لم يقل أحد ذلك كله لفضل المسكين..فلماذا لا تقوله أنت الآن، أنت تعلمت من الكتب والمدارس، لماذا لا يقوله لأهل ليث؟.




على هذه الأرض ما يستحق الحياة
لا أفهم هذه المناورات•• لا افهم السياسة، لفلسطين طريق واحد وحيد هو البندقية•
بلال والله بحوبك
  اقتباس المشاركة
قديم 03-31-2007, 08:45 PM   #2
أبو يقين

.|[ رفـحآوي أصـيل ]|.
 
الصورة الرمزية أبو يقين
Real Madrid For Ever

قوة السمعة: 452 أبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond repute

افتراضي رد: مكتبة روايات غسان كنفاني أرجو التثبيت

رجـــــــــال في الشمسللكاتب : غسان كنفاني ،،
نبذه عن الكاتب :
ولد في عكا في التاسع من نيسان عام 1936، وعاش طفولته في - يافا التي اضطر للنزوح عنها كما نزح الآلاف بعد نكبة 1948، وأثر مجزرة دير ياسين التي وقعت في عيد ميلاده الثاني عشر، والتي جعلته ينقطع عن الاحتفال بـ " عيده " منذ ذلك التاريخ.
عاش لفترة قصيرة في جنوب لبنان ثم انتقل مع عائلته إلى دمشق حيث عمل منذ شبابه المبكر في النضال الوطني ، وبدأ حياته العملية معلماً للتربية الفنية في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين ( الأنروا ).
انتقل إلى الكويت عام 1956 حيث عمل مدرساً للرسم والرياضة في مدارسها الرسمية. وفي هذه الأثناء عمل في الصحافة وظهرت بدايات إنتاجه الأدبي.
أقام في بيروت منذ 1960 ، وعمل محرراً أدبياً لجريدة " الحرية " الأسبوعية ، ثم أصبح عام 1963 رئيسا لتحرير جريدة " المحرر " كما عمل في " الأنوار " و" الحوادث " حتى عام 1969 ليؤسس بعد ذلك صحيفة " الهدف " التي بقي رئيساً لتحريرها حتى يوم استشهاده في 8 تموز / يوليو 1972 بعد انفجار لغم في سيارته حيث قتل ومعه ابنة شقيقته " لميس نجم " وعمرها 17 عاماً .
يتناول غسان كنفاني في كتاباته معاناة الشعب الفلسطيني في أكثر تجلياتها تعبيراً. " وهو يمثل نموذجاً خاصاً للكاتب السياسي والروائي والقاص والناقد.. "
رواية رجال في الشمس ، التي ننشرها هنا ، أعدت للسينما وحصل الفيلم على عدد من الجوائز في مهرجانات متعددة.
نقلت أعماله إلى ست عشرة لغة، ونشرت في عشرين بلداً. ومن مؤلفاته:
موت سرير رقم 12 ( قصص ) 1961.
أرض البرتقال الحزين ( قصص ) 1963
رجال في الشمس ( رواية ) 1963
عالم ليس لنا ( قصص ) 1965
ما تبقى لكم ( رواية)1966
القبعة والنبي ( مسرحية ) 1967
العاشق ( رواية غير كاملة ) بدأ كتابتها عام 1966
برقون نيسان ( رواية غير كاملة ) 71 - 72
بالإضافة إلى مجموعة من الدراسات والمقالات السياسية والفكرية والنقدية.
حصل على جائزة " أصدقاء الكتاب في لبنان " لأفضل رواية عن روايته " ما تبقى لكم " عام 1966 ، كما نال جائزة منظمة الصحافيين العالمية ( . I.O.J ) عام 1974، ونال جائزة " اللوتس التي يمنحها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا عام 1975.
الكتـــــــاب
ابو قيـــــس

أراح أبو قيس صدره فوق التراب الندي، فبدأت الأرض تخفق من تحته: ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتجة ثم تعبر إلى خلاياه... في كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض ما زال ، منذ أن استلقى هناك أول مرة، يشق طريقاً قاسياً إلى النور قادماً من أعمق أعماق الجحيم، حين قال ذلك مرة لجاره الذي كان يشاطره الحقل، هناك، في الأرض التي تركها منذ عشر سنوات، أجابه ساخراً:
"هذا صوت قلبك أنت تسمعه حين تلصق صدرك بالأرض "، أي هراء خبيث! والرائحة إذن؟ تلك التي إذا تنشقها ماجت في جبينه ثم انهالت مهومة في عروقه؟. كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلق فوقها خيل إليه أنه يتنسم شعر زوجه حين تخرج من الحمام وقد اغتسلت بالماء البارد.. الرائحة إياها، رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيباً .. الخفقان ذاته: كأنك تحمل بين كفيك الحانيتين عصفورا صغيراً.. الأرض الندية - فكر- هي لا شك بقايا من مطر أمس.. كلا، أمس لم تمطر! لا يمكن أن تمطر السماء الآن إلا قيظاً وغباراً ! أنسيت أين أنت؟ أنسيت؟
دور جسده واستلقى على ظهره حاضنا رأسه بكفيه وأخذ يتطلع إلى السماء: كانت بيضاء متوهجة، وكان ثمة طائر أسود يحلق عالياً وحيدا على غير هدى، ليس يدري لماذا امتلأ، فجأة بشعور آسن من الغربة، وحسب لوهلة أنه على وشك أن يبكي.. كلا، لم تمطر أمس، نحن في آب الآن.. أنسيت؟ كل تلك الطريق المنسابة في الخلاء كأنها الأبد الأسود.. أنسيتها؟ ما زال الطائر يحوم وحيدا مثل نقطة سوداء في ذلك الوهج المترامي فوقه.. نحن في آب ! إذن لماذا هذه الرطوبة في الأرض؟ إنه الشهد ! ألست تراه يترامى على مد البصر إلى جانبك ؟
- " وحين يلتقي النهران الكبيران: دجلة والفرات، يشكلان نهرا واحدا اسمه شط العرب يمتد من قبل البصرة بقليل إلى...
الأستاذ سليم، العجوز النحيل الأشيب، قال ذلك عشر مرات بصوته الرفيع لطفل صغير كان يقف إلى جانب اللوح الأسود، وكان هو ماراً حينذاك حذاء المدرسة في قريته.. فارتقى حجراً وأخذ يتلصص من الشباك: كان الأستاذ سليم واقفاً أمام التلميذ الصغير وكان يصبح بأعلى صوته وهو يهز عصاه الرفيعة:
- ".. وحين يلتقي النهران الكبيران: دجلة والفرات.. "
وكان الصغير يرتجف هلما فيما سرت ضحكات بقية الأطفال في الصف.. مد يده ونقر طفلا على رأسه فرفع الطفل نظره إليه وهو يتلصص من الشباك:
-"... ماذا حدث؟
ضحك الطفل وأجاب هامساً:
- " تيس !"
عاد، فنزل عن الحجر وأكمل طريقه وصوت الأستاذ سليم ما زال يلاحقه وهو يكرر:
- " وحين يلتقي النهران الكبيران... "
في تلك الليلة شاهد الأستاذ سليم جالساً في ديوانية المختار يقرقر بنرجيلته : كان قد أرسل لقريتهم في يافا كي يعلم الصبية، وكان قد أمضى شطراً طويلاً من حياته في التعليم حتى صارت كلمة أستاذ جزءاً لا يتجزأ من اسمه، وفي الديوانية سأله أحدهم، تلك الليلة:
- ".. وسوف تؤم الناس يوم الجمعة.. أليس كذلك؟ "
وأجاب الأستاذ سليم ببساطة:
- " كلا، إنني أستاذ ولست إماماً... "
قال له المختار:
- " وما الفرق؟ لقد كان أستاذنا إماماً.. "
- " كان أستاذ كتاب، أنا أستاذ مدرسة.. "
وعاد المختار يلح:
- " وما الفرق؟."
لم يجب الأستاذ سليم بل دور بصره من وراء نظارتيه فوق الوجوه، كأنه يستغيث بواحد من الجالسين، إلا أن الجميع كانوا مشوشين حول هذا الموضوع مثل المختار..
بعد فترة صمت طويلة تنحنح الأستاذ سليم وقال بصوت هاديء:
- " طيب، أنا لا أعرف كيف أصلي.. "
- " لا تعرف؟ "
زأر الجميع، فأكد الأستاذ سليم محدداً:
- " لا أعرف ! "
تبادل الجلوس نظرات الاستغراب ثم ثبتوا أبصارهم في وجه المختار الذي شعر بأن عليه أن يقول شيئاً، فاندفع دون أن يفكر:
- ".. وماذا تعرف إذن؟ "
وكأن الأستاذ سليم كان يتوقع مثل هذا السؤال، إذ أنه أجاب بسرعة وهو ينهض:
- " أشياء كثيرة.. إنني أجيد إطلاق الرصاص مثلا.. "
وصل إلى الباب فالتفت، كان وجهه النحيل يرتجف:
- " إذا هاجموكم أيقظوني، قد أكون ذا نفع.. "
***

ها هو إذن الشط الذي تحدث عنه الأستاذ سليم قبل عشر سنوات ! ها هو ذا يرتمي على بعد آلاف من الأميال والأيام عن قريته وعن مدرسة الأستاذ سليم.. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم !.. يا رحمة الله عليك ! لا شك أنك ذا حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود.. ليلة واحدة فقط.. يا الله ! أتوجد ثمة نعمة إلهية أكبر من هذه؟.. صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك.. ولكنك على أي حال بقيت هناك.. بقيت هناك ! وفرت على نفسك الذل والمسكنة وأنقذت شيخوختك من العار .. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم .. ترى لو عشت، لو أغرقك الفقر كما أغرقني.. أكنت تفعل ما أفعل الآن؟ أكنت تقبل أن تحمل سنيك كلها على كتفيك وتهرب عبر الصحراء إلى الكويت كي " تجد لقمة خبز؟
نهض، واستند إلى الأرض بكوعيه وعاد ينظر إلى النهر الكبير كأنه لم يره قبل ذلك. إذن هذا هو شط العرب: " نهر كبير تسير فيه البواخر محملة بالتمر والقش كأنه شارع في وسط البلد تسير فيه السيارات.. " هكذا صاح ابنه، قيس، بسرعة حين سألة تلك الليلة:
- " ما هو شط العرب؟ "
كان يقصد أن يمتحنه، إلا أن قيس صاح الجواب بسرعة، وأردف قائلا:
- ".. لقد رأيتك تطل من شباك الصف اليوم.. "
التفت إلى زوجه فضحكت، أحس بشيء من الخجل، وقال ببطء:
- " إنني أعرف ذلك من قبل.. "
- " كلا، لم تكن تعرفه.. عرفته اليوم وأنت تطل من الشباك.. "
- " طيب ! وماذا يهمني أن أعرف ذلك أو أن لا أعرفه، هل ستقوم القيامة؟ "
رمقته زوجته من طرف عينيها ثم قالت:
- " اذهب والعب يا قيس في الغرفة الأخرى... "
وحين صفق الباب خلفه قالت لزوجها:
- " لا تحكي أمامه بهذا الشكل، الولد مبسوط لأنه يعرف ذلك، لماذا تخيب أمله؟ "
قام واقترب منها ثم وضع كفه على بطنها وهمس:
- " متى ؟ "
بعد سبعة أشهر "
- " أوف !"
- " نريد بنتا هذه المرة.. "
- " كلا ! نريد صبياً ! صبياً ! "
***

ولكنها أنجبت بنتاً سماها "حسنا " ماتت بعد شهرين من ولادتها وقال الطبيب مشمئزاً: " لقد كانت نحيلة للغاية ! "
كان ذلك بعد شهر من تركه قريته ، في بيت عتيق يقع في قرية أخرى بعيدة عن خط القتال :
- " يا أبا قيس، أحس بأنني سألد ! "
- " طيب، طيب، اهدئي "
وقال في ذات نفسه :
وربما نبني غرفة في مكان ما ..
- " بودي لو تلد المرأة بعد مئة شهر من الحمل ! أهذا وقت ولادة ؟ "
- " يا إلهي ! "
- " ماذا؟ "
- " سألد "
- " أأنادي شخصاً ؟ "
- " أم عمر"
- " أين أجدها الآن؟ "
- " ناولني هذه الوسادة.."
- " أين أجد أم عمر؟ "
- " يا إلهي.. ارفعني قليلا، دعني أتكىء على الحائط.. "
- " لا تتحركي كثيراً، دعيني أنادي أم عمر.. "
- " أسرع... أسرع.. يا رب الكون ! "
هرول إلى الخارج، وحين صفق وراءه الباب سمع صوت الوليد، فعاد وألصق أذنه فوق خشب الباب..
صوت الشط يهدر، والبحارة يتصايحون، والسماء تتوهج والطائر الأسود ما زال يحوم على غير هدى.
قام ونفض التراب عن ملابسه ووقف يحدق إلى النهر..
أحس، أكثر من أي وقت مضى، بأنه غريب وصغير، مرر كفه فوق ذقنه الخشنة ونفض عن رأسه كل الأفكار التي تجمعت كجيوش زاحمة من النمل.
وراء هذا الشط، وراءه فقط ، توجد كل الأشياء التي حرمها.
هناك توجد الكويت.. الشيء الذي لم يعش في ذهنه إلا مثل الحلم والتصور يوجد هناك.. لا بد أنها شيء موجود، من حجر وتراب وماء وسماء، وليست مثلما تهوم في رأسه المكدود.. لا بد أن ثمة أزقة وشوارع ورجالاً ونساء وصغاراً يركضون بين الأشجار.. لا.. لا.. لا توجد أشجار هلاك.. سعد، صديقه الذي هاجر إلى هناك واشتغل سواقا وعاد بأكياس من النقود قال إنه لا توجد هناك أية شجرة.. الأشجار موجودة في رأسك يا أبا قيس.. في رأسك العجوز التعب يا أبا قيس.. عشر أشجار ذات جذوع معقدة كانت تساقط زيتونا وخيرا كل ربيع.. ليس ثمة أشجار في الكويت، هكذا قال سعد.. ويجب أن تصدق سعدا لأنه يعرف أكثر منك رغم أنه أصغر منك.. كلهم يعرفون أكثر منك.. كلهم. في السنوات - العشر الماضية لم تفعل شيئاً سوى أن تنتظر.. لقد أحتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها.. في هذه السنوات الطويلة شق الناس طرقهم وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير.. ماذا تراك كنت تنتظر؟ أن تثقب الثروة سقف بيتك.. بيتك؟ إنه ليس بيتك.. رجل كريم قال لك: أسكن هنا ! هذا كل شيء وبعد عام قال لك أعطني نصف الغرفة، فرفعت أكياسا مرقعة من الخيش بينك وبين الجيران الجدد..
وبقيت مقعيا حتى جاءك سعد وأخذ يهزك مثلما يهز الحليب ليصير زبداً.. "
- " إذا وصلت إلى الشر بوسعك أن تصل إلى الكويت بسهولة، البصرة مليئة بالأدلاء الذين يتولون تهريبك إلى هناك عبر الصحراء.. لماذا لا تذهب؟ "
سمعت زوجته كلام سعد فنقلت بصرها بين وجهيهما وأخذت تهدهد طفلها من جديد.
- " إنها مغامرة غير مأمونة العواقب؟ "
- " غير مأمونة العواقب؟ ها ! ها ! أبو قيس يقول، غير مأمونة العواقب.. ها ها " !
ثم نظر إليها وقال:
- " أسمعت ما يقول زوجك؟ غير مأمونة العواقب ! كأن الحياة شربة لبن ! لماذا
لا يفعل مثلنا ؟ هل هو أحسن؟..
لم ترفع بصرها إليه، وكان هو يرجو أن لا تفعل..
- " أتعجبك هذه الحياة هنا؟ لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ..
حرام ! ابنك قيس، متى سيعود للمدرسة؟ وغدا سوف يكبر الآخر.. كيف ستنظر إليه وأنت لم... "
- " طيب ! كفى ! "
- لا ! لم يكف ! حرام ! أنت مسؤول الآن عن عائلة كبيرة، لماذا لا تذهب إلى هناك . ما رأيك أنت ؟
زوجته ما زالت صامتة وفكر هو: " غدا سيكبر هو الآخر.. " ولكنه قال:
- " الطريق طويلة، وأنا رجل عجوز ليس بوسعي أن أسير كما سرتم أنتم.. قد أموت .. "
لم يتكلم أحد في الغرفة زوجته ما زالت تهدهد طفلها ، وكف سعد عن الإلحاح ولكن الصوت ! انفجر في رأسه هو :
- " تموت؟ هيه ! من قال أن ذلك ليس أفضل من حياتك الآن ؟ منذ عشر سنوات وأنت تأمل أن تعود إلى شجرات الزيتون العشر التي امتلكتها مرة في قريتك... قريتك ! هيه ! "
عاد فنظر إلى زوجته :
- " وماذا ترين يا أم قيس؟ "
حدقت إليه وهمست:
" كما ترى أنت.. "
" سيكون بوسعنا أن نعلم قيس.. "
- " نعم " ..
- " وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين.. "
- " طبعاً ! "
- " وربما نبني غرفة في مكان ما.."
- " أجل "
- " إذا وصلت.. إذا وصلت.."
كف، ونظر قليلا ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويداً رويداً ثم تنزلق فوق خدها المغضن الأسمر.. حاول أن يقول شيئاً، ولكنه لم يستطع، كانت غصة دامعة تمزق حلقه.. غصة ذاق مثلها تماما حين وصل إلى البصرة وذهب إلى دكان الرجل السمين الذي يعمل في تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، وقف أمامه حاملا على كتفيه كل الذل وكل الرجاء اللذين يستطيع رجل عجوز أن يحملهما.. وكان الصمت مطبقاً مطنا حين كرر الرجل السمين صاحب المكتب:
- " إنها رحلة صعبة، أقول لك، ستكلفك خمسة عشر ديناراً ".
- " وهل تضمن أننا سنصل سالمين؟
- " طبعاً ستصل سالماً، ولكن ستتعذب قليلا، أنت تعرف، نحن في آب الآن، الحر شديد والصحراء مكان بلا ظل.. ولكنك ستصل.."
كانت الغصة ما تزال في حلقه، ولكنه أحس أنه إذا ما أجل ذلك الذي سيقوله فلن يكون بوسعه أن يلفظه مرة أخرى:
- " لقد سافرت آلافا من الأميال كي أصل إليك، لقد أرسلني سعد، أتذكره؟ ولكنني لا أملك إلا خمسة عشر ديناراً، ما رأيك أن تأخذ منها عشرة وتترك الباقي لي؟ "
قاطعه الرجل:
- " إننا لا نلعب.. ألم يقل لك صديقك أن السعر محدود هنا؟ إننا نضحي بحياة الدليل من أجلكم.. "
- " ونحن أيضا نضحي بحياتنا.. "
- " إنني لا أجبرك على هذا "
- " عشرة دنانير؟ "
- " خمسة عشر ديناراً.. ألا تسمع؟ "
لم يعد بوسعه أن يكمل، كان الرجل السمين الجالس وراء كرسيه، المتصبب عرقاً، يحدق إليه بعينين واسعتين وتمني هو لو يكف الرجل عن التحديق، ثم أحس بها، ساخنة تملأ مؤقه وعلى وشك أن تسقط.. أراد أن يقول شيئاً لكنه لم يستطع، أحس أن رأسه كله قد امتلأ بالدمع من الداخل فاستدار وانطلق إلى الشارع، هناك بدأت المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع. اتصل أفق النهار بالسماء وصار كل ما حوله مجرد وهج أبيض لا نهائي. عاد، فارتمى ملقيا صدره فوق التراب الندي الذي أخذ يخفق تحته من جديد.. بينما انسابت رائحة الأرض إلى أنفه وانصبت في شرايينه كالطوفان.

أسعــــــــــــد
وقف أسعد أمام الرجل السمين صاحب المكتب الذي يتولى تهريب الناس من البصرة إلى الكويت ، ثم انفجر :
- خمسة عشر ديناراً سأدفعها لك ؟ .. لا بأس ولكن بعد أن أصل وليس قبل ذلك قط ..
حدق إليه الرجل من وراء جفنيه السمينين وسأل ببلاهة :
- لماذا ؟
- لماذا ؟ ها ! لأن الدليل الذي سترسلونه معنا سوف يهرب قبل أن نصل إلى منتصف الطريق ! خمسة عشر ديناراً ، لا بأس .. ولكن ليس قبل أن نصل ..
طوى الرجل أوراقا صفراء أمامه وقال بلؤم :
- أنا لا أجبرك على أي شيء .. أنا لا أجبرك .
- ماذا تعني ؟
- أعني أنه إذا لم تعجبك شروطنا فبوسعك أن تستدير ، وتخطو ثلاث خطوات ، وستجد نفسك في الطريق .
الطريق ! .. أتوجد بعد طرق في هذه الدنيا ؟ ألم يمسحها بجبينه ويغسلها بعرقه طوال أيام وأيام ، كلهم يقولون ذلك : ستجد نفسك على الطريق ! .. قال له أبو العبد الذي هربه من الأردن إلى العراق :
- " ما عليك إلا أن تدور حول الإتشفور ، لا بأس أن تضرب قليلا إلى الداخل . أنت ما زلت فتى وبوسعك أن تتحمل قليلا من القيظ .. ثم عد ، وستجدني بانتظارك على الطريق ..
- " ولكن هذا لم يكن ضمن الشروط .. لقد قلت لي ، ونحن في عمان أنك ستأخذني إلى بغداد ودفعت لك عشرين دينارا كاملا .. لم تقل لي أنني سأدور حول الإتشفور .. "
وضرب أبو العبد جناح سيارته المغبر فعلمت أصابعه الخمسه وبان من تحتها لون السيارة الأحمر الفاقع .. كانت السيارة الضخمة واقفه إلى جانب البيت قرب جبل عمان حين تفاوض معه ، وهو يذكر تماما كل الشروط التي قيلت :
- " إنها مهمة صعبة ، وسوف يأخذونني إلى السجن لو أمسكوك معي ، ورغم ذلك فسوف أقدم لك خدمة كبرى لأنني كنت أعرف والدك ، رحمه الله .. بل إننا قاتلنا سوية في الرملة منذ عشر سنوات .. "
صمت أبو العبد قليلا .. كان قميصه الأزرق ينضح بالعرق وأعطاه وجهه الحاد شعورا بأنه أمام واحد من أولئك الرجال الذين يعتقدون أن اجتراح معجزة ما هو واجب من واجبات رب العائلة :
- " سأخذ منك عشرين دينارا .. وسوف تجد نفسك في بغداد "
- " عشرون ديناراً ؟ "
- " نعم ! وعليك أيضا أن تساعدني طوال الطريق . سنبدأ بعد غد ، على أن أشحن سيارة صغيرة لرجل ثري في بغداد كان قد أمضى شطرا من الصيف في رام الله ثم أراد أن يعود إلى بغداد بالطائرة .."
- " ولكن .. عشرين دينار ؟ "
نظر إليه أبو العبد بإلحاح ، ثم انفجر :
- " إنني أنقذ حياتك بعشرين ديناراً .. أتحسب أنك ستمضي عمرك مختفيا هنا ؟ غدا يلقون القبض عليك .."
- " ولكن من أين .. من أين أحضر لك عشرين ديناراً ؟ "
- " استدن .. استدن ، أي صديق بوسعه أن يعطيك عشرين دينارا إذا عرف بأنك ستسافر إلى الكويت .. "
- " عشرون .. عشرون .. "
- " إلى بغداد ؟ "
- مباشر !
ولكنه كذب عليه ! استغل براءته وجهله ، خدعه ، أنزله من السيارة ، بعد رحلة يوم قائظ ، وقال له أن يدور حول الإتشفور كي يتلافى الوقوع في أيدي رجال الحدود ، ثم يلتقيه على الطريق !
لكنني لا أعرف هذه المنطقة .. أتفهم أنت معنى أن أسير كل هذه المسافة حول الإتشفور ، في عز الحر ؟
ضرب أبو العبد جناح سيارته المغبرة مرة أخرى ، كانا واقفين منفردين قبل ميل من الإتشفور وصاح :
- ماذا تعتقد ؟ أن اسمك مسجل في كل نقاط الحدود ، إذا رأوك معي الآن ، لا جواز سفر ولا سمة مرور .. ومتآمر على الدولة ماذا تعتقد أنه سيحدث ؟ كفاك دلالا .. أنك قوي كالثور بوسعك أن تحرك ساقيك .. سألاقيك وراء الإتشفور على الطريق .
كلهم يتحدثون عن الطرق .. يقولون : تجد نفسك على الطريق ! وهم لا يعرفون من الطريق إلا لونها الأسود وأرصفتها ! وها هو الرجل السمين ، المهرب البصراوي يكرر القصة نفسها .
- ألا تسمع ؟ أنني رجل مشغول جدا ً ، قلت لك : خمسة عشر دينار وسأوصلك إلى الكويت ، طبعا عليك أن تمشي قليلا ولكنك فتى في غاية القوة ، لن يضرك هذا .
- ولكن لماذا لا تصغي إلى ؟ قلت لك أنني سأعطيك المبلغ إذا ما وصلنا إلى الكويت .
- ستصل ! ستصل !
- كيف ؟
- إنني أقسم لك بشرفي أنك ستصل إلى الكويت !
- تقسم بشرفك ؟
- أقسم لك بشرفي إنني سألتقيك وراء الإتشفور! ما عليك إلا أن تدور حول تلك المنطقة الملعونة وستجدني بانتظارك !
لقد دار دورة كبيرة حول الإتشفور ، كانت الشمس تصب لهبا فوق رأسه ، وأحس فيما كان يرتقي الوهاد الصفر ، أنه وحيد في كل هذا العلم .. جرجر ساقيه فوق الرمل كما لو أنه يمشي على رمل الشاطئ بعد أن سحب زورقا كبيرا امتص صلابة ساقيه .. اجتاز بقاعا صلبة من صخور بنية مثل الشظايا ثم صعد كثبانا واطئة ذات قمم مسطحة من تراب أصفر ناعم كالطحين .. تراهم لو حملوني إلى معتقل الجفر الصحراوي .. هل سيكون الأمر أرحم مما هو الآن ؟ عبث .. الصحراء موجودة في كل مكان ، كان أبو العبد قد أعطاه كوفية لف بها رأسه ، ولكنها لم تكن ذات جدوى في رد اللهب بل خيل إليه أنها آخذة ، هي الأخرى ، في الاحتراق .. كان الأفق مجموعة من الخطوط المستقيمة البرتقالية ، ولكنه كان قد عقد عزمه على المسير بجد .. وحتى حينما انقلب التراب إلى صفائح لامعة من ورق أصفر ، لم يتباطأ .. وفجأة بدأت الأوراق الصفر تتطاير فانحنى يلمها :
شكرا..شكرا.. إن هذه المروحة الملعونة تطير الأوراق من أمامي، ولكن دونها ليس بوسعي أن أتنفس.. ها! ماذا قررت؟.
- هل أنت متأكد من أن الدليل الذي سترسله معنا لن يهرب؟
كيف يهرب أيها الغبي؟ ستكونون أكثر من عشرة أشخاص.. لن يكون بوسعه أن يهرب منكم ..
- وإلى أين سيوصلنا؟
حتى طريق الجهرة، وراء المطلاع، وهناك ستكونون داخل الكويت..
هل سنمشي كثيرا؟.
- ست أو سبع ساعات فقط...
بعد أربع ساعات وصل إلى الطريق، كان قد خلف الإتشفور وراءه، وكانت الشمس قد سقطت وراء التلال البنية إلا أن رأسه كان ما يزال يلتهب وخيل إليه أن جبينه يتصبب دماً.. لقد اقتعد حجرا وألقى بصره بعيدا إلى رأس الطريق الأسود المستقيم، كان رأسه مشوشا تخفق فيه آلاف الأصوات المتشابكة ، وبدا له أن بروز سيارة كبيرة حمراء في رأس تلك الطريق أمر خيالي وسخيف .. وقف، حدق إلى الطريق من جديد، لم يكن بوسعه أن يرى بوضوح بعد ، تراه الغسق أم العرق؟.. كان رأسه ما يزال يطن مثل الخلية وصاح بملء رئتيه :
- أبو العبد .. يلعن أبوك.. يلعن أصلك..
- ماذا قلت ؟
- أنا ؟ لا شيء.. متى ستبدأ الرحلة؟
- حال يصير عددكم عشرة.. أنت تعرف، ليس بوسعنا أن نرسل دليلاً مع كل واحد منكم ، ولذلك فنحن ننتظر حتى يرتفع العدد إلى عشرة أشخاص ونرسل معهم دليلا واحداً.. هل ستعطيني النقود الآن؟
- شد على النقود في جيبه وفكر: سوف يكون بوسعي أن أرد لعمي المبلغ في أقل من شهر.. هناك في الكويت يستطيع المرء أن يجمع نقودا في مثل لمح البصر..
لا تتفاءل كثيرا، قبلك ذهب العشرات ثم عادوا دون أن يحضروا قرشاً..
ورغم ذلك سأعطيك الخمسين ديناراً التي طلبتها، وعليك أن تعرف أنها جنى عمر..
- إذن لماذا تعطيني النقود إذا كنت متأكدا من أنني لن أعيدها لك؟
- أنت تعرف لماذا.. ألست تعرف؟ إنني أريدك أن تبدأ.. أن تبدأ ولو في الجحيم حتى يصير بوسعك أن تتزوج ندى.. إنني لا أستطيع أن أتصور ابنتي المسكينة تنتظر أكثر هل تفهمني؟
أحس الإهانة تجترح حلقه ورغب في أن يرد الخمسين ديناراً لعمه يقذفها بوجهه بكل ما في ذراعه من عنف وفي صدره من حقد، يزوجه ندى ! من الذي قال له إنه يريد أن يتزوج ندى؟ لمجرد أن أباه قرأ معه الفاتحة حين ولد هو وولدت هي في يوم واحد؟ إن عمه يعتبر ذلك قدراً، بل إنه رفض مئة خاطب قدموا ليتزوجوا ابنته، وقال لهم إنها مخطوبة ! يا إله الشياطين ! من الذي قال له أنه يريد أن يتزوجها؟ من قال له أنه يريد أن يتزوج أبداً ؟ وها هو الآن يذكره مرة أخرى ! يريد أن يشتريه لابنته مث لما يشرى كيس الروث للحقل، شد على النقود في جيبه وتحفز في مكانه.. ولكنه حين لمسها هناك، في جيبه، دافئة ناعمة، شعر بأنه يقبض على مفاتيح المستقبل كله، فلو أتاح الآن لحنقه أن يسيطر عليه ليرجع النقود إلى عمه، إذن لما تيسرت له قط فرصة الحصول على خمسين دينار بأي شكل من الأشكال.. هدأ غضبه مطبقا فمه بأحكام وشد أصابعه على النقود الملتفة في جيب بنطاله، ثم قال:
- لا، لا، سأسلمك النقود حالما تجهز الرحلة تماماً.. سوف أراك مرة كل يوم.. إنني أنزل في فندق قريب..
ابتسم الرجل السمين، ثم تطاولت ابتسامته فانفجر ضاحكاً بصخب:
من الخير لك أن لا تضيع وقتك يا بني .. كل المهربين يتقاضون نفس السعر، نحن متفقون فيما بيننا.. لا تتعب نفسك.. وعلى أي حال: احتفظ بنقودك حتى تجهز الرحلة، أنت حر.. ما اسم الفندق الذي تنزل فيه؟
- فندق الشط..
- آه ! فندق الجرذان !
نط جرذ الحقل عبر الطريق فلمعت عيناه الصغيرتان في ضوء السيارة وقالت الفتاة الشقراء لزوجها المنهمك بالسياقة:
- إنه ثعلب ! أرأيته؟
قال الزوج الأجنبي ضاحكاً:
- أف منكن أيتها النساء ! تجعلن من الجرذ ثعلبا !
كانا قد التقطاه بعد الغروب بقليل بعد أن لوح لهما وهماً في سيارتهما الصغيرة، فلما أوقف الزوج السيارة، أطل هو من النافذة.. كان يرجف من فرط البرد، وكانت الزوجة خائفة منه.. إلا أنه جمع في ذهنه ما تعلمه من اللغة الإنكليزية وقال:
- لقد اضطر صديقي أن يعود إلى الإتشفور بالسيارة وتركني..
قاطعه الرجل:
- لا تكذب.. أنت هارب من هنالك، لا بأس، اصعد.. سأوصلك إلى بعقوبة.
كان المقعد الخلفي مريحا وناولته الفتاة بطانية التفح بها وكان لا يستطيع أن يعرف بالضبط، هل هو يرجف بسبب البرد الصحراوي، أم بسبب الخوف، أم بسبب التعب.. وقال الرجل:
- هل مشيت كثيراً؟
- لست أدري.. ربما أربع ساعات..
- لقد تركك الدليل.. أليس كذلك؟ إن ذلك يحدث دائما.
التفتت إليه الفتاة وسألت:
- لماذا تهربون من هناك؟
- أجابها زوجها:
إنها قصة طويلة.. قل لي.. هل تجيد قيادة السيارات؟
- نعم
- بوسعك أن تأخذ مكاني بعد أن تستريح قليلا.. قد أستطيع أن أساعدك على عبور مركز الحدود العراقي... سنصل هناك في الثانية بعد منتصف الليل، وسيكون المسؤولون نياما..
لم يكن يستطيع أن يركز رأسه على محور واحد، كان مشوشا ولم يكن بوسعه أن يهتدي إلى أول طريق التساؤلات كي يبدأ، ولذلك حاول جهده أن ينام ولو لنصف ساعة..
- من أين أنت؟.
- من فلسطين.. من الرملة.
- أوف .. أن الرملة بعيدة جدا.. قبل إسبوعين كنت في زيتا.. أتعرف زيتا؟ لقد وقفت أمام الأسلاك الشائكة، فاقترب مني طفل صغير وقال بالإنكليزية أن بيته يقع على بعد خطوات وراء الأسلاك..
- هل أنت موظف؟
- موظف ؟ ها ! أن الشيطان نفسه تأبي عليه براءته أن يكون موظفاً.. كلا يا صديقي .. أنا سائح..
- " انظر، إنه ثعلب آخر.. ألم تر إلى عينيه كيف تتقدان؟ "
- " يا عزيزتي إنه جرذ.. جرذ.. لماذا تصرين على أنه ثعلب؟ هل سمعت ما حدث أخيرا هناك، قرب زيتا؟. "
- " كلا .. ماذا حدث؟ "
- " الشيطان لا يعرف ماذا حدث ! هل ستستقر في بغداد؟ "
- " كلا "
- " أوف ! إن هذه الصحراء مليئة بالجرذان، تراها ماذا تقتات؟ "
أجاب بهدوء:
- جرذانا أصغر منها.. "
قالت الفتاة :
- حقا ؟ إنه شيء مرعب! الجرذ نفسه حيوان مرعب كريه... "
قال الرجل السمين صاحب المكتب:
- " الجرذ حيوان كريه.. كيف بوسعك أن تنام في ذلك الفندق؟ "
- " أنه رخيص ".
نهض الرجل السمين صاحب المكتب واقترب منه ثم وضع ذراعه الثقيلة فوق كتفيه :
- تبدو متعبا أيها الفتى.. ماذا حدث ؟ هل أنت مريض؟ "
- " أنا ؟ كلا ! "
- " إذا كنت مريضا قل لي .. قد أستطيع أن أساعدك. لي كثير من الأصدقاء يعلمون أطباء .. واطمئن ، لن تدفع شيئا ..
- بارك الله فيك ، ولكنني تعب قليلا .. هذا كل ما في الأمر .. هل سيتأخر إعداد الرحلة ؟
- " كلا ، نحمد الله أنكم كثر .. خلال يومين ستجد نفسك على الطريق .. "
أدار ظهره واتجه إلى الباب ، ولكن قبل أن يتجازه سمع الرجل السمين يقهقه من وراء كتفيه :
- " .. لكن حاذر أن تأكلك الجرذان قبل أن تسافر .. "
مروان
خرج مروان من دكان الرجل السمين الذي يتولى تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، فوجد نفسه في الشارع المسقوف المزدحم الذي تفوح منه رائحة التمر وسلال القش الكبيرة.. لم تكن له أية فكرة محددة عن وجهته الجديدة.. فهناك، داخل الدكان، تقطعت آخر خيوط الأمل التي شدت، لسنوات طويلة، كل شيء في داخله.. كانت الكلمات الأخيرة التي لفظها الرجل السمين حاسمة ونهائية، بل خيل إليه أنها كانت مصبوبة من رصاص:
- خمسة عشر ديناراً.. ألا تسمع؟
- ولكن..
- أرجوك ! أرجوك ! لا تبدأ بالنواح ! كلكم تأتون إلى هنا ثم تبدأون بالنواح كالأرامل !.. يا أخي، يا روحي لا أحد يجبرك على الالتصاق هنا، لماذا لا تذهب وتسأل غيري، البصرة مليئة بالمهربين !
طبعاً سيذهب ويسأل غيره، لقد قال له حسن. الذي اشتغل في الكويت أربع سنين . أن تهريب الفرد الواحد من البصرة إلى الكويت يكلف خمسة دنانير فقط لا غير، وأنه يجب أن يكون - حين يمثل أمام المهرب - أكبر من رجل وأكثر من شجاع وإلا ضحك عليه وخدعه واشتغل سنيه الست عشرة وجعل منه ألعوبة.
- قالوا إن سعر الواحد خمسة دنانير.
- خمسة دنانير؟ ها ها ها! كان ذلك قبل أن تزف حواء إلى آدم.. يا بني، استدر، واخط ثلاث خطوات، وستجد نفسك في الطريق غير مطرود !
جمع شجاعته كلها وحشدها في لسانه، كل ما تبقي في جيبه لا يزيد عن السبعة دنانير، ولقد كان يحسب قبل هنيهة أنه غني.. أما الآن.. أتراه يستصغره؟
- سوف تأخذ مني خمسة دناينر وأنت مبسوط .. وإلا..
- وإلا ماذا؟
- وإلا فضحتك في مخفر الشرطة !
قام الرجل السمين ودار حول مكتبه ثم وقف أمامه وهو يلهث ويتصبب عرقاً..
حدق فيه هنيهة قاسه فيها من رأسه حتى قدميه ثم رفع يده الثقيله في الهواء..
- تريد أن تشكوني إلى الشركة يا ابن الـ...
وهوت اليد الثقيلة فوق خده ، فضاعت الكلمة في طنين شيطاني أخذ يدور بين أذنيه .. لم يستطع أن يحتفظ بتوازنه للحظة فخطا إلى الوراء خطوتين صغيرتين ، ووصله صوت الرجل السمين مبحوحا بالغضب :
- اذهب وقل للقواويد أنني ضربتك .. تشكوني للشرطة ؟
تحفز في مكانه لبرهة وجيزة ، ولكنها كانت كافية ليكتشف فيها عبث أية محاولة يقوم بها لترميم كرامته ، بل إنه أحس . حتى عظامه ، بأنه قد أخطأ خطأ لا يغتفر ، فأخذ يمضغ ذله وعلامات الأصابع فوق خده الأيسر تلتهب ..
- ماذا تراك تنتظر هنا ؟
دار على عقبيه ، واجتاز الباب إلى الخارج فصفعت أنفه روائح التمر وسلال القش الكبيرة .. تراه ماذا سيفعل الآن ؟ لم يكن يريد أن يسأل السؤال لنفسه
قط.. ولكنه ليس يدري لماذا كان يحس بنوع من الارتياح.. ترى ما السبب في ذلك ؟ لقد أحب أن يشغل نفسه بالتقصي عن السبب.. ثمة شعور يملأ جانبا من ، رأسه ويوحي له بالارتياح والسعادة، ولكنه لم يكن ليستطيع أن يفصله عن كل الأحداث المؤسية التي احتشدت في صدره خلال نصف الساعة الماضي.. وحين انتهت كل محاولاته إلى الفشل اتكأ على الحائط.. كانت جموع الناس تعبر حواليه دون أن تلتفت إليه، ربما يحدث هذا للمرة الأولى في حياته: أن يكون منفردا وغريبا في مثل هذا الحشد من البشر.. ولكنه كان يريد أن يعرف سبب ذلك الشعور البعيد الذي يوحي له الاكتفاء والارتياح، شعور يشابه ذاك الذي كان يراوده بعد أن ينتهي من مشاهدة فيلم سينمائي فيحس بأن الحياة كبيرة وواسعة وأنه سوف يكون في المستقبل واحداً من أولئك الذين يصرفون حياتهم لحظة إثر لحظة وساعة أثر ساعة بامتلاء وتنوع مثيرين.. ولكن ما السبب في كونه يحس الآن مثل ذلك الشعور رغم أنه لم يشاهد منذ زمن بعيد لما من ذلك النوع، ورغم أن خيوط الأمل التي نسجت في صدره أحلاما كباراً قد تقطعت، قبيل لحظات، داخل دكان الرجل السمين؟
لا فائدة.. يبدو أنه لن يستطيع اختراق الحجاب الكثيف من خيبة الأمل الذي ارتفع دونه ودون ذلك الشعور الملتف على نفسه في مكان ما من رأسه.. وقرر، فيما بعد، أن لا يرهق رأسه قط.. وأن يشغل نفسه بالمسير.. ولكنه ما أن ترك جدار وبدأ يمشي في الزحام حتى شعر بيد تربت على كتفه..
لا تيأس إلى هذا الحد.. إلى أين ستذهب الآن؟
كان الرجل الطويل قد بدأ يسير إلى جانبه بألفة، وحين نظر إليه خيل له أنه قد شاهده في مكان ما من قبل، ولكنه رغم ذلك، ابتعد عنه خطوة وصب فوق وجهه عينين متسائلتين، فقال الرجل:
- إنه لص شهير.. ما الذي قادك إليه ؟
أجاب بعد تردد قصير:
- كلهم يأتون إليه..
اقترب الرجل منه وشبك ذراعه بذراعه كأنه يعرفه منذ زمن بعيد:
- أتريد أن تسافر إلى الكويت؟
- كيف عرفت؟
- لقد كنت واقفاً إلى جانب باب تلك الدكان، وشهدتك تدخل ثم شهدتك تخرج.. ما اسمك؟
- مروان.. وأنت؟
- إنهم ينادونني " أبو الخيزران ".
لأول مرة منذ رآه لاحظ الآن أن منظره يوحي حقا بالخيزران، فهو رجل طويل القامة جدا، نحيل جداً، ولكن عنقه وكفيه تعطي الشعور بالقوة والمتانة وكان يبدو لسبب ما، أنه بوسعه أن يقوس نفسه، فيضع رأسه بين قدميه دون أن يسبب ذلك أي إزعاج لعموده الفقري أو بقية عظامه.
- حسناً، ماذا تريد مني؟
- تجاهل أبو الخيزران السؤال بسؤال من عنده
- لماذا تريد أن تسافر إلى الكويت؟
- أريد أن أشتغل.. أنت تعرف كيف تجري الأمور هنالك. منذ شهور طويلة.
وأنا ..
صمت فجأة ووقف.
الآن، فقط، عرف منشأ ذلك الشعور بالارتياح والاكتفاء الذي لم يكن بوسعه، قبل دقائق، أن يكتشفه.. إنه ينفتح أمام عينيه بكل اتساعه وصفائه، بل إنه هدم، بشكل رائع، كل سدود الكآبة التي حالت بينه وبين معرفته.. وها هو الآن يتملكه من جديد بسطوة لا مثيل لها قيد.. كان أول شيء فعله ذلك الصباح الباكر هو كتابة رسالة طويلة إلى أمه.. وإنه يشعر الآن بمزيد من الارتياح لأنه كتب تلك الرسالة قبل أن تخيب آماله كلها في دكان الرجل السمين فيضيع صفاء الفرح الذي صبه في تلك الرسالة.. لقد كان بديعا أن يعيش بعض ساعة مع أمه.
نهض باكرا جدا ذلك الصباح.. كان الخادم قد رفع السرير إلى سطح الفندق لأن النوم داخل الغرفة في مثل ذلك القيظ وتلك الرطوبة أمر مستحيل.. وحينما أشرقت الشمس فتح عينيه " كان الجو رائعاً وهادئاً وكانت السماء ما زالت تبدو زرقاء تحوم فيها حمامات سود على علو منخفض ويسمع رفيف أجنحتها كلما اقتربت - في دورتها الواسعة - من سماء الفندق.. كائن الصمت مطبقا بكثافة، والجو يعبق برائحة رطوبة مبكرة صافية...مد يده إلى حقيبته الصغيرة الموضوعة تحت السرير فأخرج دفتراً وقلماً ومضى يكتب رسالة إلى أمه وهو مستلق هناك.
كان ذلك أحسن ما فعله خلال شهور، لم يكن مجبرا على فعله، ولكنه كان يريد ذلك بملء رغبته وإرادته.. كان مزاجه رائقاً، وكانت الرسالة تشبه صفاء تلك السماء فوقه.. ليس يدري كيف أجاز لنفسه أن يصف أباه بأنه مجرد كلب منحط ولكنه لم يشأ أن يشطب ذلك بعد أن كتبه، لم يكن يريد أن يشطب أي كلمة في الرسالة كلها.. ليس لأن أمه تتشاءم من الكلمات المشطوبة فقط، بل لأنه كان لا يريد ذلك أيضا، وببساطة.
ولكنه - على أي حال- لا يحقد على أبيه إلى ذلك الحد.. صحيح أن أباه قام بعمل كريه، ولكن من منا لا يفعل ذلك بين الفينة والأخرى؟ إنه يستطيع أن يفهم بالضبط ظروف والده، وبوسعه أن يغفر له.. ولكن هل بوسع والده أن يغفر لنفسه تلك الجريمة؟
" أن يترك أربعة أطفال. أن يطلقك أنت بلا أي سبب، ثم يتزوج من تلك المرأة الشوهاء.. هذا أمر لن يغفره لنفسه حين يصحو، ذات يوم، ويكتشف ما فعل. أنني لا أريد أن أكره أحداً، ليس بوسعي أن أفعل ذلك حتى لو أردت.. ولكن لماذا فعل ذلك، معك أنت؟ أنا أعرف أنك لا تحبين لأحد منا أن يحكي عنه، أعرف.. ولكن لماذا تعتقدين أنه فمل ذلك؟
لقد مضى كل شيء الآن وراح ولا أمل لنا بأن نستعيده مرة أخرى.. ولكن لماذا فعل ذلك؟ دعينا نسأل، لماذا؟
أنا سوف أقول لك لماذا.. منذ أن انقطعت عنا أخبار أخي زكريا اختلف الوضع
نهائيا.. كان زكريا يرسل لنا من الكويت، كل شهر حوالي مئتي روبية.. كان هذا المبلغ يحقق لأبي بعض الاستقرار الذي يحلم به.. ولكن حين انقطعت أخبار زكريا. نرجو أن يكون ذلك خيراً
- ماذا تعتقدين أنه فكر؟
لقد قال لنفسه. بل قال لنا كلنا. إن الحياة أمر عجيب.. وإن الرجل يريد أن يستقر في ، شيخوخته لا أن يجد نفسه مجبرا على إطعام نصف دزينة من الأفواه المفتوحة.. ألم يقل ذلك؟ زكريا راح.. زكريا، ضاعت أخباره، من الذي سيطعم الأفواه؟ من الذي سيكمل تعليم مروان ويشتري ملابس مي ويحمل خبزاً لرياض وسلمى وحسن؟ من؟
إنه رجل معدم، أنت تعرفين ذلك.. لقد كان طموحه كله.. كل طموحه، هو أن يتحرك من بيت الطين الذي يشغله في المخيم منذ عشر سنوات ويسكن تحت سقف من إسمنت، كما كان يقول.. الآن، زكريا راح.. آماله كلها تهاوت.. أحلامه انهارت.. مطامحه ذابت.. فماذا تعتقدين أنه سيفعل؟
لقد عرض عليه صديقه القديم والد شقيقة أن يتزوجها.. قال له أنها تمتلك بيتا من ثلاث غرف في طرف البلد، دفعت ثمنه من تلك النقود التي جمعتها لها منظمة خيرية.. وأبو شفيقة يريد شيئا واحدا: أن يلقي حمل ابنته. التي فقدت ساقها اليمنى أثناء قصف يافا - على كاهل زوج ! إنه على عتبة قبره ويريد أن يهبطه مطمئناً على مصير ابنته التي رفضها الجميع بسبب تلك الساق المبتورة من أعلى الفخذ.. لقد فكر والدي بالأمر: لو أجر غرفتين وسكن مع زوجته الكسحاء في الثالثة إذن لعاش ما تبقي له من الحياة مستقرا غير ملاحق بأيما شيء.. وأهم من ذلك.. تحت سقف من إسمنت.. ".
- أتريد أن تبقي واقفا هنا إلى الأبد؟
نفض رأسه وسار.. كان " أبو الخيزران " ينظر إليه من طرف حدقيته، وخيل إليه أنه على وشك أن يبتسم ساخراً.
- ما بالك تفكر بهذا الشكل؟ أن التفكير غير ملائم لك يا مروان، ما زلت صغير السن.. والحياة طويلة..
وقف مرة أخرى وألقى برأسه إلى الوراء قليلا:
- والآن .. ماذا تريد مني؟.
واصل " أبو الخيزران " المسير فلحق به من جديد:
- أستطيع أن أهربك إلى الكويت.
- كيف ؟
- هذا شأني أنا. أنت تريد أن تذهب إلى الكويت أليس كذلك؟ ها هو ذا إنسان بوسعه أن يأخذك إلى هناك.. ماذا تريد غير ذلك؟
- كم ستأخذ مني ؟
هذا ليس مهما في الواقع ...
- إنه المهم .
ابتسم أبو الخيزران ابتسامة واسعة فانشقت شفتاه عن صفين من الأسنان الكبيرة الناصعة البياض ثم قال:
- سأخبرك الأمر بكل صراحة.. أنا رجل مضطر للذهاب إلى الكويت، قلت لنفسي : لا بأس من أن أرتزق فأحمل معي بعض من يريد أن يذهب إلى هناك .. كم بوسعك أن تدفع؟
- خمسة دنانير..
- فقط ؟
- لا أملك غيرها.
- حسناً، سأقبلها..
وضع أبو الخيزران يديه في جيبه ومضى يسير بخطوات واسعة حتى أوشك مروان أن يضيعه، فاضطر إلى اللحاق به مسرعاً، إلا أن أبا الخيزران وقف فجأة وهز أصبعه أمام فمه:
-.. ولكن ! لا تقل ذلك لأي إنسان.. أعني إذا طلبت من رجل آخر عشرة دنانير فلا تقل له إنني أخذت منك خمسة فقط..
- ولكن كيف تريدني أن أثق بك؟
فكر أبو الخيزران قليلا ثم عاد فابتسم تلك الابتسامة الواسعة وقال:
- معك حق ! ستعطيني النقود في ساحة الصفاة في الكويت.. في العاصمة في منتصف العاصمة، مبسوط؟
- موافق !
- ولكننا سنحتاج إلى عدد آخر من المسافرين.. وعليك أن تساعدني، هذا شرط.
- إنني أعرف واحدا ينزل معي في الفندق ويرغب في السفر.
- هذا رائع، أنا أعرف واحداً آخر.. إنه من بلدتي في فلسطين أيام زمان قابلته صدفة هنا.. ولكنني لم أسألك.. ماذا تريد أن تفعل في الكويت.. هل تعرف أحدا؟
وقف مرة أخرى، إلا أن أبا الخيزران شده من ذراعه فعاد يخب إلى جانبه..
إن أخي يعمل هناك.
هز أبو الخيزران رأسه فيما كان يسير متعجلا ثم رفع كتفيه فغاصت عنقه وبدأ أقصر من ذي قبل..
- وإذا كان أخوك يشتغل هناك.. فلماذا تريد أنت أن تشتغل؟ الذين في سنك ما زالوا في المدارس !..
- لقد كنت في المدرسة قبل شهرين، ولكنني أريد أن أشتغل الآن كي أعيل عائلتي ...
وقف أبو الخيزران ثم رفع كفيه من جيبه وثبتهما على خصريه وأخذ يحدق إليه ضاحكاً:
- ها ! لقد فهمت الآن.. أخوك لم يعد يرسل لكم نقوداً، أليس كذلك؟
هز مروان رأسه وحاول أن يسير، إلا أن أبا الخيزران شده من ذراعه فأوقفه..
- لماذا؟ هل تزوج ؟
حدق مروان إلى أبي الخيزران مشدوها ثم همس:
- كيف عرفت؟
- ها ، الأمر لا يحتاج إلى ذكاء خارق، كلهم يكفون عن إرسال النقود إلى عائلاتهم حين يتزوجون أو يعشقون..
أحس مروان بخيبة أمل صغيرة تنمو في صدره، لا لأنه فوجئ، بل لأنه اكتشفت أن الأمر شائع ومعروف، لقد كان يحسب أنه يخنق صدره على سر كبير لا يعرفه غيره: حجبه عن أمه وأبيه طوال شهور وشهور.. وها هو الآن يبدو على لسان أبي الخيزران كأنه قاعدة معروفة وبديهية:
- ولكن.. لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يتنكرون لـ...
صمت فجأة، كان أبو الخيزران قد بدأ يضحك:
- أنا مبسوط أنك ستذهب إلى الكويت لأنك ستتعلم هناك أشياء عديدة.. أول شيء ستتعلمه. هو أن: القرش يأتي أولا، ثم الأخلاق.
حين تركه أبو الخيزران على أمل لقاء بعد الظهر كان قد فقد. من جديد. كل تلك المشاعر الرائعة التي كانت تغسله، من الداخل، طوال الصباح.. بل أنه استغرب كيف تكون تلك الرسالة التي كتبها لأمه قد أعطته الشعور الرائق الذي جعل خيبة أمله تبدو أقل قيمة مما هي في الواقع.. رسالة سخيفة كتبها تحت وطأة الشعور بالوحدة والأمل على سطح فندق حقير مرمي في طرف الكون.. ما هو الخارق في الأمر؟ أيحسب أن أمه لا تعرف القصة كلها؟ ماذا كان يريد أن يقول ؟ أكان يريد أن يقنعها بأن هجران زوجها لها ولأولادها أمر رائع وطبيعي؟ إذن لماذا كل تلك الثرثرة؟ أنه يحب والده حبا خارقا لا يتزعزع.. ولكن هذا لا يغير شيئا من الحقيقة الراعبة.. الحقيقة التي تقول أن أباه قد هرب.. هرب.. هرب.. تماما كما فعل زكريا الذي تزوج وأرسل له رسالة صغيرة قال له فيها أن دوره قد أتى، وأن عليه أن يترك تلك المدرسة السخيفة التي لا تعلم شيئا وأن يغوص في المقلاة مع من غاص..
كل عمره كان على طرفي نقيض مع زكريا.. بل إنهما كانا. في الواقع. يكرهان بعضهما.. زكريا لم يكن يستطيع أن يفهم قط لماذا يتوجب عليه أن يصرف على العائلة طوال عشر سنوات بينما يروح مروان ويجيء إلى المدرسة مثل الأطفال.. وكان هو يريد أن يصبح طبيباً.. كان يقول لأمه إن زكريا لن يفهم قط معنى أن يتعلم الإنسان لأنه ترك المدرسة حين ترك فلسطين وغاص، منذ. ذاك، في المقلاة، كما يحب أن يقول.
وها هو الآن قد تزوج دون أن يقول ذلك لأحد غيره، كأنه كان يريد أن يضعه أمام ضميره وجها لوجه.. ولكن ماذا ترك له ليختار؟ لا شيء سوى أن يترك المدرسة ويعمل، يغوص في المقلاة من هنا وإلى الأبد !
لا بأس ! لا بأس.. أيام قليلة ويصل إلى الكويت.. إذا ساعده زكريا كان ذلك أفضل، إذا تجاهله فلسوف يعرف كيف يهتدي إلى أول الطريق كما اهتدى الكثيرون.. ولسوف يرسل كل قرش يحصله إلى أمه، سوف يغرقها ويغرق إخوته بالخير حتى يجعل من كوخ الطين جنة إلهية.. ويجعل أباه يأكل أصابعه ندماً !
ورغم ذلك، فإنه لا يكره أباه إلى هذا الحد، لسبب بسيط هو أن أباه ما زال يحبهم جميعاً.. لقد تأكد من ذلك تماما حين ذهب إليه يودعه قبل أن يسافر، لم يقل لأمه أنه سيذهب إلى بيت شفيقة وإلا لكانت جنت.. قال له أبوه هناك:
- أنت تعرف يا مروان بأن لا يد لي في الأمر، هذا شيء مكتوب لنا منذ بدء الخليقة.
قالت شفيقة:
- قلنا لأمك أن تأتي وتسكن هنا لكنها لم تقبل.. ماذا تريدنا أن نفعل أكثر من ذلك؟
كانت جالسة فوق بساط من جلد ماعز، وكان العكاز ملقى إلى حانبها، وفكر
هو: ترى أين ينتهي فخذها؟ " كان وجهها جميلا ولكنه حاد الملامح مثل وجوه كل أولئك المرضى الذين لا يرجى لهم الشفاء، وكانت شفتها السفلى مقوسة كأنها على وشك أن تبكي..
قال أبوه:
- خذ ، هذه عشرة دنانير.. قد تنفعك.. واكتب لنا دائما.
حين قام رفعت شفيقة ذراعيها في الهواء ودعت له بالتوفيق، كان صوتهـا فاجعا وحين التفت إليها قبل أن يجتاز الباب بدأت تشهق بالبكاء. وقال له أبوه:
- وفقك الله يا مروان يا سبع.
وحاول أن يضحك إلا أنه لم يستطع فأخذ يربت بكفه الكبيرة الخشنة على ظهره بينما تناولت شفيقة عكازها واستوت واقفة بحركة سريعة، كانت قد كفت عن البكاء.
صفق الباب وراءه وسار. كان ما زال يسمع صوت عكاز شفيقة يقرع البلاط برتابة، وعند المنعطف تلاشى الصوت.
الصفقة
اقتاد مروان زميله أسعد إلى موعده مع أبي الخيزران، وصلا متأخرىن قليلا فوجد أبا الخيزران، بانتظارهما، جالساً مع أبي قيس فوق مقعد إسمنت كبير على رصيف الشارع الموازي للشط.
- لقد اجتمعت العصابة كلها الآن أليس كذلك؟
صاح أبو الخيزران ضاحكا وهو يضرب كتف مروان بكفه ويمد الأخرى ليصافح أسعد.
- هذا هو صديقك إذن.. ما اسمه؟
أجاب مروان باقتضاب:
- أسعد.
- دعيني إذن أعرفكما على صديقي العجوز. " أبو قيس.. " وبهذا تكون العصابة قد اكتملت.. لا بأس أن تزداد واحداً.. ولكنها الآن كافية أيضا.
قال أسعد:
- يبدو لي أنك فلسطيني.. أأنت الذي سيتولى تهريبنا؟
- نعم، أنا.
- كيف؟
- هذا شأني أنا..
ضحك أسعد بسخرية ثم قال ببطء شادا على كلماته بعنف:
- لا يا سيدي.. أنه شأننا نحن.. يجب أن تحكي لنا كل التفاصيل، لا نريد متاعب منذ البدء.
قال أبو الخيزران بصوت حاسم:
- سأحكي لكم التفاصيل بعد أن نتفق، وليس قبل ذلك..
قال أسعد:
- لا يمكن أن نتفق قبل أن نعرف التفاصيل، ما رأي الشباب؟
لم يجب أحد، فأكد أسعد من جديد:
- ما رأي العم أبو قيس؟
- الرأي رأيكم..
- ما رأيك يا مروان؟
- أنا معكم.
قال أسعد بعنف:
- إذن، دعونا نختصر الوقت.. يبدو لي أن العم أبو قيس غير خبير بالأمر، أما مروان فإنها تجربته الأولى.. أنا عتيق في هذه الصنعة، ما رأيكم أن أتفاوض عنكم ؟
رفع أبو قيس كفه في الهواء موافقاً، وهز مروان رأسه، فالتفت أسعد إلى أبي الخيزران..
- لقد رأيت: الشباب سلموني الأمر، فدعني أقول لك شيئا: إننا من بلد واحد.
نحن نريد أن نرتزق وأنت تريد أن ترتزق، لا بأس، ولكن يجب أن يكون الأمر في منتهى العدل.. سوف تحكي لنا بالتفصيل كل خطوة، وسوف تقول لنا بالضبط كم تريد، طبعا سنعطيك النقود بعد أن نصل وليس قبل ذلك قط ..
قال أبو قيس:
- الأخ أسعد يحكي الحق يجب أن نكون على بينه من الأمر ، وكما يقول المثل :
ما يبدأ بالشرط ينتهي بالرضا .
رفع أبو الخيزران كفيه من جيبه ووضعهما على خصريه ، ثم نقل بصره فوق الوجوه جميعا ببطء وببرود حتى قرقراه فوق وجه أسعد :
- أولا كل واحد منكم سيدفع عشرة دنانير .. موافقون ؟
قال أبو قيس..
- أنا موافق
قال أسعد:
- أرجوك .. لقد سلمتني الأمر إذن دعني أحكي ... عشرة دنانير مبلغ كبير ، أن المهرب المحترف يأخذ ، عشر دينارا .. ثم ..
قاطعه أبو الخيزران:
- لقد اختلفنا إذن قبل أن نبدأ، هذا ما كنت أخشاه .. عشرة دنانير لا تنقص فلساً.. السلام عليكم.
أدار ظهره وخطا خطوتين بطيئتين قبل أن يلحقه أبو قيس صائحا :
- لماذا غضبت ؟ الموضوع سؤال وجواب والاتفاق أخو الصبر ..
- حسنا ، نعطيك عشرة دنانير .. ولكن كيف ستأخذنا ؟
ها ! نحن الآن في شغل الجد .. اسمع .
جلس أبو الخيزران على مقعد الإسمنت ووقف الثلاثة حواليه ومضى يشرح مستعيناً بيديه الطويلتين،
لدي سيارة مرخصة لاجتياز الحدود.. ها ! يجب أن تنتبهوا: أنها ليست سيارتي.. أنا رجل فقير أكثر منكم جميعا وكل علاقتي بتلك السيارة أنني سائقها ! صاحب هذه السيارة رجل ثري معروف، ولذلك فإنها لا تقف كثيرا على الحدود، ولا تتعرض للتفتيش، فصاحب السيارة معروف ومحترم، والسيارة نفسها معروفة ومحترمة وسائق السيارة، تبعا لذلك، معروف ومحترم.
كان أبو الخيزران سائقاً بارعاً، فقد خدم في الجيش البريطاني في فلسطين قبل عام 1948 أكثر من خمس سنين، وحين ترك الجيش وانضم إلى فرق المجاهدين كان معروفا بأنه أحسن سائق للسيارات الكبيرة يمكن أن يعثر عليه، ولذلك استدعاه مجاهدو الطيرة ليقود مصفحة عتيقة كان رجال القرية قد استولوا عليها إثر هجوم يهودي.. ورغم أنه لم يكن خبيرا في قيادة المصفحات إلا أنه لم يخيب آمال أولئك الذين وقفوا على جانبي الطريق يتفرجون عليه وهو يدخل من الباب المصفح الصغير ويغيب لحيظات، ثم يهدر المحرك بالضجيج وتمضي المصفحة تدرج في الطريق الرملي الضيق. إلا أن المصفحة ما لبثت أن تعطلت، ولم تجد كل المحاولات التي بذلها أبو الخيزران لإعادتها إلى سيرتها السوية.. وإذا كانت خيبة أمل الرجال كبيرة، فإن خيبة أمله كانت أكبر، ولكن أبا الخيزران - على أي حال- أضاف إلى تجاربه في عالم المحركات تجربة أخرى، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول أن هذه التجربة لم تنفعه حين انضم إلى سائقي سيارات الحاج رضا في الكويت؟
لقد استطاع ذات يوم أن يقود سيارة ماء جبارة أكثر من ست ساعات في طريق ملحى موحل دون أن تغوص في الأرض وتتعطل مثلما حدث لجميع سيارات القافلة.. كان الحاج رضا قد خرج مع عدد من رجاله إلى الصحراء ليغيبوا عدة أيام في القنص.. إلا أن الربيع كان خادعاً، وأثناء عودتهم كانت الطريق تبدو بيضاء صلدة، وهذا ما دفع سائقي السيارات لاقتحامها دون وجل، وهناك بدأت السيارات، الكبيرة والصغيرة، تغوص في الوحل واحدة أثر الأخرى..إلا أن أبا الخيزران، الذي كان يقود سيارته الجبارة خلف الجميع واصل السير ببراعة ودون أن يتعطل ثانية واحدة.. وحين شارف سيارة الحج رضا الرمادية الغارقة حتى ثلاثة أرباع عجلاتها الورائية في الوحل، أوقف سيارته وهبت ثم اقترب من الحج وقال له:
ما رأي عمي الحج رضا أن يصعد إلى سيارتي؟ أن انتشال هذه السيارات يستلزم أكثر من أربع ساعات، وفي هذا الوقت سيكون عمي الحج رضا قد وصل إلى بيته.
قال الحج رضا:
- تمام ! أن صوت محرك سيارتك أرحم من الوقوف هنا مدة أربعة ساعات. وقاد أبو الخيزران سيارته الضخمة طوال ست ساعات فوق تلك الأرض الخادعة التي تبدو بيضاء صلدة بسبب طبقة رقيقة من الملح الذي جف على السطح، وكان أبو الخيزران، طوال الطريق، يحرك مقود سيارته حركات خفيفة وسريعة ذات اليمين وذات اليسار كي تستطيع العجلتان الأماميتان أن تفتحا طريقاً أوسع قليلا من حاجتهما..
لقد سر الحج رضا للغاية من براعة أبي الخيزران وتحدث بذلك لكل أصدقائه طوال شهور.. وقد سر الحج أكثر حين نما إليه أن أبا الخيزران رفض عروضا عديدة للعمل عند سواه، بعد أن تفشت هذه الأخبار، واستدعاه وأثنى عليه ثم زود راتبه قليلا.. ما هو أهم من ذلك أن الحج رضا بات يشترط أن يكون أبو الخيزران رفيقا ضرورياً لكل رحلة قنص أو سفر بعيد.
منذ أسبوع خرج الحج رضا في قافلة من سياراته إلى رحلة قنص أقامها خصيصا من أجل ضيوف ينزلون عنده، وقد كلف أبو الخيزران بقيادة سيارة الماء الكبيرة، التي سترافق القافلة طوال الرحلة وتؤمن الماء الوفير للرجال أثناء الرحلة التي قد تستغرق أكثر من يومين.. لقد ضربت القافلة بعيدا في الصحراء حتى أن الحج رضا فضل أن يسلك في طريق عودته دروباً أخرى تصل به إلى الزبير، ومن الزبير يستطيع أن يسلك الطريق الرئيسي الذي يعود إلى الكويت.. كان من الممكن أن يكون أبو الخيزران الآن في الكويت، مع بقية القافلة لو لم يصب سيارته الكبيرة عطل صغير يضطره للبقاء في البصرة
يومين آخرين حتى يصلحه، ثم يلحق بمن سبق.
- أنت تريد إذن أن تضعنا داخل خزان ماء سيارتك في طريق عودتك؟
- بالضبط ! لقد قلت لنفسي: لماذا لا تنتهز الفرصة فترتزق بقرشين نظيفين طالما أنت هنا، وطالما أن سيارتك لا تخضع للتفتيش؟
نظر مروان إلى أبي قيس، ثم إلى أسعد فنظرا إليه بدورهما متسائلين:
- اسمع يا أبا الخيزران.. هذه اللعبة لا تعجبني ! هل تستطيع أن تتصور ذلك؟ في مثل هذا الحر من يستطيع أن يجلس في خزان ماء مقفل؟
- لا تجعل من القضية مأساة، هذه ليست أول مرة.. هل تعرف ما الذي سيحدث؟ ستنزلون إلى الخزان قبل نقطة الحدود في صفوان بخمسين متراً، سأقف على الحدود أقل من خمس دقائق، بعد الحدود بخمسين مترا ستصعدون إلى فوق.. وفي المطلاع على حدود الكويت، سنكرر المسرحية لخمس دقائق أخرى، ثم هوب ! ستجدون أنفسكم في الكويت !
هز أسعد رأسه ثم حدق إلى الأرض لبرهة وقد قلب شفته السفلى، أما مروان فقد أخذ يتلهي بقصف عود جاف، وواصل أبو قيس التحديق إلى السائق طويل القامة.. وفجأة قال مروان:
- هل يوجد ماء في الخزان؟.
انفجر أبو الخيزران ضاحكاً وابتسم أسعد:
- طبعاً لا .. ماذا تعتقد ؟ هل أنا مهرب أم معلم سباحة؟.
وكأنما راقت الفكرة لأبي الخيزران فقد مضى يقهقه ويضرب فخذيه بكفيه ويدور حول نفسه..
- ماذا تعتقد؟ هل أنا معلم سباحة؟ أيها الصغير: إن الخزان لم ير الماء منذ ستة شهور !
قال أسعد بهدوء:
- حسبت أنك كنت تنقل الماء في رحلة قنص قبل أسبوع؟
- أوف.. أنت تعرف، تعرف ماذا أقصد.
- لا، لا أعرف.
- أقصد منذ ستة أيام.. إن المرء يبالغ أحياناً.. والآن، هل اتفقنا؟.. دعونا ننهي هذا الاجتماع الخطير !
وقف أبو قيس مهيئا نفسه للقول الفصل ولكنه قبل أن ينطق دور بصره على الجميع وتوقف هنيهة وهو ينظر إلى أسعد كأنه يرجوه العون، ثم اقترب من أبي الخيزران..
- اسمع يا أبا الخيزران.. أنا رجل درويش ولا أفهم بكل هذه التعقيدات.. ولكن قصة رحلة القنص تلك، لم تعجبيني.. تقول أنك حملت للحج رضا، ماء، ثم تقول الآن إن خزان سيارتك لم يشم رائحة الماء منذ ستة أشهر. سأقول لك الحقيقة وأرجو أن لا تغضب : أنا أشك في أنك تملك سيارة ..
التفت أبو قيس للبقية ومضى يكمل بصوت حزين:
- أنا أفضل أن أدفع خمسة عشر ديناراً وأذهب مع مهرب عن طريق الصحراء..
لا أريد مزيدا من المشاكل.
ضحك أبو الخيزران وقال بصوت عال:
- اذهب وجرب.. أتحسب أنني لا أعرف هؤلاء المهربين ؟ سيتركونكم في منتصف الطريق ويذوبون مثل فص الملح ! وأنتم بدوركم ستذيبون في قيظ آب دون أن يشعر بكم أحد.. اذهب اذهب وجرب.. قبلك جرب الكثيرون.. تريد أن أدلك ؟ لماذا تحسب أنهم يأخذون منكم المبلغ سلفا؟
- " ولكنني أعرف كثيرين وصلوا إلى هناك من طريق المهربين ".
- "عشرة بالمئة على الأكثر.. ثم اذهب واسألهم وسيقولون لك أنهم أكملوا الطريق بلا مهرب وبلد دليل، وأن حظهم قد ساعدهم على النجاة. "
- جمد أبو قيس في مكانه، وبدا للحظة أنه موشك على السقوط. ولاحظ مروان أن أبا قيس يشبه والده إلى حد بعيد، فأشاح بوجهه عنه، لم يعد بوسعه أن يركز رأسه على موضوع واحد.. فيما مضى أبو الخيزران صائحا:
- يجب أن تقرروا بسرعة ! ليس لدى مزيد من الوقت لأضيعه، أقسم لكم بشرفي...
قال أسعد مقاطعا بهدوء:
- اترك موضوع الشرف في ناحية أخرى . الأمور تمضي بشكل أفضل حين لا يقسم المرء بشرفه..
التفت. أبو الخيزران إليه وقال:
- والآن يا سيد أسعد، أنت رجل ذكي ومجرب.. ما رأيك؟
رأيي بماذا؟
بكل شيء..
ابتسم أسعد ولاحظ أن أبا قيس ومروان ينتظران أن يسمعا قراره، فمضى يحكي ببطء وسخرية:
أولاً، أعفينا من تصديق قصة رحلة القنص ! يبدو لي أن الحج رضا وجنابك تعملان بالتهريب.. عفوك قليلا، دعني أكمل.. الحج رضا يعتقد أن تهريب الأشخاص في طريق العودة أمر تافه، لذلك يتركه لك، أما أنت فتترك له بالمقابل تهريب الأمور الأهم.. وبنسبة من الأرباح المعقولة، أم تراه لا يعرف أنك تهرب أشخاصا في طريق العودة؟
ابتسم أبو الخيزران ابتسامة واسعة فبانت أسنانه البيضاء النظيفة من جديد وبدا أنه لا يريد أن يجيب أسعد.. قال مروان فجأة:
وقصة القنص؟
أوه ! قصة القنص معدة لرجال الحدود، ليس لنا.. ولكن أبا الخيزران لا يجد بأسا من أن يرويها..
اتسعت ابتسامة أبي الخيزران أكثر من قبل وأخذ يبادل الرجال النظر دون أن يتكلم.. وبدا، للحظة، أنه غبي.
قال أبو قيس:
ولكن ماذا يهرب الحج رضا؟ لقد قلت أنه رجل ثري !.
نظر الجميع إلى أبي الخيزران الذي كف، فجأة، عن الابتسام وعاد وجهه يكتسي بطابع اللامبالاة والتسلط ثم قال بحزم:
- والآن كفوا عن الثرثرة.. يجب أن لا تعتقد يا سيد أسعد أنك ذكي إلى هذا الحد .. ماذا قررتم؟
قال أسعد بهدوء:
- أنا شخصياً لا أهتم إلا بموضوع وصولي إلى الكويت، أما ما عدا ذلك فإنه لا يعنيني .. ولذلك فإنني سأسافر مع أبي الخيزران .
قال مروان بحماسة .
- وأنا سأسافر معكما .
قال أبو قيس :
- هل تعتقدون أنه بوسعي أن أرافقكم أنا رجل عجوز ..
ضحك أبو الخيزران بعنف ثم شبك ذراعه بذراع أبي قيس .
- له ! له ! يا قيس .. من الذي أوهمك أنك عجوز إلى هذا الحد ؟ ربما أم قيس ! له ! يجب أن تأتي معنا ..
كانا قد سارا خطوات قليلة معا وتركا مروان وأسعد واقفين إلى جانب مقعد الإسمنت الكبير ، التفت أبو الخيزران من قوف كتفه وصاح :
- سينام أبو قيس معي في السيارة .. وسأزمر لكل صباح غدا الباكر أمام الفندق .
الطريق
لم يكن الركوب فوق ظهر السيارة الجبارة مزعجاً كثيراً. فرغم أن الشمس كانت تصب جحيمها بلا هواده فوق رأسيهما إلا أن الهواء الذي كان يهب عليهما بسبب سرعة السيارة خفف من حدة الحر.. كان أبو قيس قد صعد مع مروان إلى فوق وجلسا على حافة الخزان متجاورين أما أسعد فقد رست عليه القرعة ليجلس إلى جانب السائق في الفترة الأولى من الرحلة.
قال أسعد محدثاً نفسه:
- " سوف يأتي دور العجوز أخيراً ليستظل هنا.. ولكن لا بأس، على أي حال، فإن الشمس تبقي محتملة الآن... أما عند الظهيرة فسيكون حظ العجوز حسناً .."
قال أبو الخيزران فجأة، بصوت عال ليسمع عبر هدير المحرك:
- هل تتصور؟.. إن هذه الكيلومترات المئة والخمسين أشبهها بيني وبين نفسي بالسراط الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنة والنار.. فمن سقط عن السراط ذهب إلى النار، ومن اجتازه وصل إلى الجنة.. أما الملائكة هنا فهم رجال الحدود !
انفجر أبو الخيزران ضاحكاً: كأنه لم يكن هو الذي قال ذلك، ثم أخذ يضرب المقود بكلتا يديه ويهز رأسه..
أتعرف؟ أنني أخاف أن تفطس البضاعة، هناك..
أشار بعنقه إلى حيث يجلس العجوز مروان فوق الخزان ومضى يضحك بعنف ..
قال أسعد بهدوء:
- قل لي يا أبا الخيزران.. ألم تتزوج أبدا؟
- أنا؟
سأل بعجب، واكتسى وجهه الهزيل بالأسى كأنه لم يكن يضحك قبل هنيهة..
ثم قال ببطء:
- لماذا تسأل؟
- لا لشيء معين.. كنت أقول لنفسي أن حياتك رائعة.. لا أحد يشدك من هنا ولا أحد يشدك من هناك.. وتطير أنت منفردا حيث شئت، تطير.. تطير.. تطير..
هز أبو الخيزان رأسه ثم ضيق جفنيه كي يتلافى ضوء الشمس الذي انصب، فجأة، فوق زجاج الواجهة.. كان الضوء ساطعاً بحدة حتى أنه لم يستطع، بادئ الأمر، أن يرى شيئاً.. إلا أنه أحس بألم فظيع يتلولب بين فخذيه، ثم استطاع أن يتبين، بعد لأي، أن ساقيه مربوطتان إلى حمالتين ترفعانهما إلى فوق، وأن عدداً من الرجال يدور حوله.. أغمض عينيه برهة ثم فتحهما، مرة أخرى، على وسعيهما. كان الضوء المستدير الموضوع فوق رأسه يحجب عنه
السقف ويعشي بصره. ولم يستطع أن يتذكر، وهو مقيد هناك على ذلك الشكل المحكم والغريب، أكثر من شيء واحد حدث له منذ برهة، ليس غير.. كان يركض مع عدد من الرجال المسلحين حين تفجرت جهنم أمامه فسقط على وجهه.. هذا كل شي، والآن، الألم الفظيع ما زال يغوص بين فخذيه والضوء المستدير الضخم معلق فوق عينيه وهو يحاول أن يرى إلى الأمور والأشخاص مضيقاً جفنيه قدر ما يستطيع.. وفجأة خطر له خاطر أسود فبدأ يصيح بجنون، ليس يذكر ما الذي قاله حينذالك، ولكنه أحس بيد تطبق فوق فمه بعنف، كانت تلبس قفازا لزجاً.. ووصله الصوت، كأنما عبر قطن:
- كن عاقلا.. كن عاقلا.. إن ذلك على أي حال أفضل من أن تموت !..
ليس يدري هل استطاعوا أن يسمعوه وهو يصيح من بين أسنانه واليد اللزجة مطبقة فوق فمه ؟ أم أن صوته ضاع في حلقه، أنه، على أي حال، ما زال يسمع الصوت نفسه كأن إنسانا آخر كان يصيح في أذنيه:
- لا .. الموت أفضل.
والآن.. مرت عشر سنوات على ذلك المشهد الكريه.. مرت عشر سنوات على اليوم الذي اقتلعوا فيه رجولته منه، ولقد عاش هذا الذل يوما وراء يوم وساعة أثر ساعة، مضغه مع كبريائه، وافتقده كل لحظة من لحظات هذه السنوات العشر ورغم ذلك فإنه لم يعتده قصد، لم يقبله قط.. عشر سنوات طوال وهو يحاول أن يقبل الأمور، ولكن أية أمور؟ أن يعترف ببساطة بأنه قد ضيع رجولته في سبيل الوطن؟ وما النفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن وتبا لكل شيء في هذا الكون الملعون...
كلا إنه لم يقبل، بعد عشر سنوات أن ينسى مأساته ويعتادهما. بل أنه لم يقبل ذلك حتى حين كان تحت المبضع يحاولون أن يقنعوه بأن فقدان الرجولة أرحم من فقدان الحياة. يا إله الشياطين، إنهم لا يعرفون ذلك قط، لا يعرفون شيئا ثم يتنطحون لتعليم الناس كل الأشياء.. أتراه لم يقبل أم إنه كان عاجزا عن القبول؟ منذ اللحظ ات الأولى كان قد قرر أن لا يقبل، نعم، هذا هو الصحيح بل أنه كان عاجزا عن تصور الأمر بتمامه حتى أنه، بعد وعي، هرب من المستشفى قبل أن يشفى نهائيا .. كأن هروبه كان قادرا على تسوية الأمور من جديد، لقد احتاج إلى وقت طويل حتى يعتاد مجرد الحياة.. ولكن تراه اعتادها؟ ليس بعد.. كلما سئل بشكل عابر:"لماذا لا تتزوج؟ " عاد إليه الإحساس الكريه بألم يغوص بين فخذيه كأنه مازال ملقى تحت الضوء المستدير الساطع وساقاه مرفوعتان إلى فوق.
كان الضوء متوهجاً وساطعاً حتى أن عينيه بدأتا تدمعان، عندها، مد أسعد يده فأنزل حاجبة الشمس المستطيلة ليقع الظل على وجه أبي الخيزران:
- " نعم، إن هذا أفضل.. شكرا.. أتعرف؟ إن إبا قيس رجل محفوظ " أحس أسعد بأن أبا الخيزران يريد تغيير موضوع الزواج الذي أثاره بسؤاله فاستجاب لذلك ببساطة:
- لماذا؟
- لو قدر له أن يذهب مع المهربين لكان وصوله إلى الكويت بمثابة أعجوبة لا أكثر ولا أقل.
كتف أبو الخيزران ذراعيه على المقود واتكأ بصدره فوقهما..
- أنت لا تعرف كيف تجري الأمور هنا.. كلكم لا تعرفون.. اسألني أنا.. اسألني، انني أعرف قصصا يبلغ عددها عدد شعر القط!
- إن الرجل السمين يبدو طيباً.. لقد ملت إليه.
أنزل أبو الخيزران رأسه ومسح عرق جبينه بكمه المتكئ على المقود وقال:
- هه ! إن الرجل السمين لا يذهب معلم عبر الحدود وهو لا يعرف ماذا يحدث..
- ماذا يحدث ؟
- لي ابن عم يدعى حسنين، هرب مرة عبر الحدود، وبعد مسير أكثر من عشر ساعات حل، الظلام. عندما أشار المهرب إلى مجموعة من الأضواء البعيدة وقال: تلك هي الكويت.. تصلونها بعد مسيرة نصف ساعة.. أتدري ما الذي حدث؟ لم تكن تلك الكويت .. كانت قرية عراقية نائية ! أستطيع أن أروي لك آلافا من القصص المشابهة. قصص رجال تحولوا إلى كلاب وهم يبحثون عن نقطة ماء واحدة يغسلون بها ألسنتهم المشققة.. وماذا تحسب أنه حدث حين شاهدوا خيام البدو؟ لقد اشتروا جرعة الماء، بكل ما يملكون من نقود أو خواتم زواج أو ساعات... يقولون أن حاتم كان بدوياً.. ولكنني أعتقد أنها مجرد كذبة،.. ذلك زمن راح يا أبا السعد.. راح.. ولكنكم لا تدركون ذلك تحسبون أن الرجل السمين بوسعه أن يعمل كل شيء.. أعرف رجلا عاش في الصحراء وحيداً مدة أربعة أيام، وحين التقطته سيارة على طريق الجهرة كان على وشك أن يلفظ آخر أنفاسه.. أتدري ماذا فعل ؟ كان يريد شيئا واحدا من كل هذه الحياة.. كان يريد أن يعود إلى البصرة فور أن يسترد صحته، ويعود إليها عبر الصحراء أيضاً إذا لزم الأمر.. أتعرف لماذا ؟ قال لي أنه يريد العودة إلى هناك كي يطبق بكفيه حول عنق الرجل السمين ويخنقه، ثم لتقم القيامة.. كان قد بدأ رحلته مع صديقين من أصدقاء شبابه، من غزة، عبر إسرائيل، عبر الأردن، عبر العراق .. ثم تركهم المهرب في الصحراء، وهم لما يعبروا حدود
الكويت.. لقد دفن صديقيه بتلك الأراضي المجهولة وحمل معه هويتيهما على أمل أن يصل إلى الكويت، فيرسلهما إلى أهليهما. لم يكن يريد لأحد أن ينصحه.. كان يقول أنه لا يريد أن ينسى ولا يريد أن يغفر.. وبعد مرور أقل من شهر عاد أدراجه إلى العراق، ولكنهم ألقوا القبض عليه.. وهو الآن يمضي سنته الثمانية في سجن حقير.. ماذا تراك تحسب؟ تأتون إلينا من المدارس مثل الأطفال وتحسبون أن الحياة هينة أتحسب أن أبا قيس لم يكن يقامر بحياته.. وسوف يكون هو الخاسر ! أنا متأكد من ذلك تأكدي من الشمس الملعونة هذه !ٍ غدا حين تصل إلى الكويت ستتذكرني بالخير وتقول : كان أبو الخيزران يحكي الصحيح، ثم تحمد ربك ألف مرة لأنني أنقذتك من أظافر الرجل السمين.. هل رأيت في عمرك كله هيكلا عظميا ملقى فوق الرمل؟
- ماذا قلت؟
- سألتك : هل رأيت في عمرك كله هيكلا عظميا ملقى فوق الرمل؟
- كلا...
دور أبو الخيزران مقود سيارته بعنف ليتجاوز حفره واسعة في الرمل، ثم بدأت السيارة تخب. وترتجف فوق طريق تشبه الدرج المنبسط، وأحس أسعد بأن أمعاءه على وشك أن تقفز من بين أسنانه المصطكة .
- كنت سترى الكثير منها. لو مشيت مع المهربين .. وعلى أي حال ، سوف لن يعني ذلك شيئا ...
- لماذا ؟
- لأنك ستكون مشغولا عن التفكير به .. أو ، مثلما قال حسنين ، لأنك لا تريد أن تفكر به
ابتسم أسعد ببلاهة ، لمجرد أنه لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل ، ثم سأل وهو يلكز أبا الخيزران في خاصرته،
- لماذا تعمل إذن في التهريب
- أنا ؟ أنا لا أعمل في التهريب
ضحك أسعد وضرب كفه فوق فخد أبي الخيزران :
إذن ماذا تسمي هذا؟
- أقول لك الحقيقية؟ أنني أريد مزيداً من النقود .. مزيدا من النقود.. مزيدا من النقود.. ولقد اكتشف أنه من الصعب تجميع ثروة عن طريق التهذيب ... أترى هذا المخلوق الحقير الذي هو أنا ؟ إنني أمتلك بعض المال ! وبعد عامين سأترك كل شيء وأستقر.. أريد أن أستريح .. أتمدد.. أستلقي في الظل وأفكر أولا أفكر.. لا أريد أن أتحرك قط.. لقد تعبت في حياتي بشكل أكثر من كاف ! إي والله، أكثر من كاف
أطفأ أبو الخيزران المحرك بسرعة، يفتح الباب ثم قفز إلى الأرض .. وأخذ يصيح:
- لقد بدأ الجد.. هيا.. سأفتح لكم باب الخزان.. هاها سيكون الطقس كالآخرة، هناك في الداخل..
صعد بخفة فوق السلم الحديدي الصغير وأخذ يعالج باب الخزان المستدير وفكر مروان ببطء: " أن ذراعيه قويتان.. " كانوا يتصببون عرقا ، إلا أن قميص أبي الخيزران كان مبتلا تماما وكان وجهه ويبدو كأنه مطلي بالوحل.
انفتح الباب مقرقعا ورفع أبو الخيزران طرف القرص الحديدي إلى فوق فاستوى واقفا فوق مفصله وبدا باطنه أحمر من فرط الصدأ .. جلس أبو الخيزران إلى جانب الفوهة موسعا ما بين ساقيه المدلاتين وأخذ يمسح عرقه بالمنديل الأحمر الذي يلفه على مؤخرة رقبته، تحت قبة القميص الأزرق، وكان يلهث:
- أنصحكم أن تنزعوا قمصانكم .. الحر خانق ومخيف هنا وسوف تعرقون كأنكم في المقلى . ولكن.. لخمس دقائق أو سبع، وسوف أقود بأقصى ما أستطيع من السرعة.. توجد. في الداخل عوارض حديدية.. في كل زاوية عارضة.. أنني أفضل أن تمسكوا بها جيدا وإلا تدحرجتم كالكرات.. طبعاً ستخلعون أحذيتكم..
بقي الجميع واقفين على الأرض دون حراك، نهض أبو الخيزران ثم قفز إلى تحت وكان يحاول أن يضحك:
- بوسع المرء أن ينام في الداخل لو كان الطقس أرحم قليلا..
نظر أبو قيس إلى مروان ثم نظر كلاهما إلى أسعد.. الذي خطا - تحت تأثير تلك النظرات - خطوتين صغيرتين إلى الأمام، ثم عاد، فوقف من جديد، وكان أبو الخيزران يراقبه.
- أنصحكم أن تعجلوا قليلاً .. إننا ما زلنا في مطلع النهار وبعد قليل سيصبح الخزان من الداخل فرناً حيقيقياً.. بوسعكم أن تأخذوا معكم مطارة ، ولكن لا تستعملوها حين تحسون أن السيارة واقفة..
حسم مروان رأيه فاقترب متسرعاً من السلم الحديدي، إلا أن أسعد سبقه فتسلق العجل ثم انحنى فوى الفوهة المفتوحة وأسقط رأسه داخل الخزان لبرهة وجيزة، ثم عاد فرفعه:
- هذه هي جهنم ! إنها تتقد !
قال أبو الخيزران وهو يفرش كفيه الكبيرتين :
- لقد قلت لكم ذلك من قبل ..
كان مروان قد وصل هو الآخر ودس رأسه داخل الفوهة ثم عاد فرفعه وقد ارتسمت على وجهه علائم الاشمئزاز والرعب . أما أبو قيس فقد وصل إلى جانبهما لا هنا .. وصاح أبو الخيزران من تحت :
- أتعرفون ماذا تفعلون إذا راود أحدكم العطاس؟
ابتسم أسعد ابتسامة باهتة بينما نظر مروان إلى تحت وبدا أن أبا قيس لم يفهم السؤال ..
ليضع إصبعه تحت منخريه مستقيما .. هكذا ..
مثل أبو الخيزران الحركة فبدا وجهه مضحكا وقال أسعد وهو يخطو إلى الأمام :
- لا أعتقد أن أحدنا سيعطس في هذا الفرن .. لا تقلق من هذه الناحية ..
وضع أسعد كفيه على خاصرتيه ووقف إلى جانب الفوهة مطأطئاً رأسه وكأنه يريد أن يرى ماذا يوجد في الداخل.. بينما خلع أبو قيس قميصه ولفه باعتناء تحت إبطه. وبدا صدره مستعرا شائباً وعظام كتفيه بارزة إلى الأمام.. جلس على حافة الفوهة مدليا ساقية داخلها . رمى بقميصه أولاً ، ثم بدأ ينزلق بطيئاً مستقيماً معتمداً على ذراعيه المشدودتين فوق حافة الفوهة حتى إذا ما لمست قدماه أرض الخزان أرخى ذراعيه وجعل ينساب باعتناء، فغاص رأسه ثم توارت ذراعاه..
قوس أسعد جسده وصاح:
- كيف ترى الأمور؟
ودوى صوت عريض من الداخل كأنه آت من عمق سحيق:
- إنه بئر ملعونة.. تعال.
نظر أسعد إلى مروان الذي خلع قميصه ووقف ينتظر بينما بدأ أبو الخيزران يتسلق السلم الحديدي من جديد.
- دور من؟
- دوري.
توجه مروان إلى الفوهة وأدار لها ظهره.. أنزل ساقيه أولا جاعلا بطنه فوق الحافة ثم انزلق الجسد ببراعة، وبقيت الكفان متمسكتين بإطار الفوهة لبرهة، ثم اختفتا.
لحق أسعد بزميليه دون أن يخلع قميصه، وحين وارته الفوهة انحنى أبو الخيزران محاولا أن يرى الوضع في الداخل إلا أنه لم ير شيئا، في كل مرة كان يطل بها كان جسده يحجب الضوء المتسلل من الفوهة فتتعذر الرؤيا، وأخيراً صاح:
- ها ؟
وأجابه صوت عريض:
- ماذا تنتظر؟ عجل، إننا على وشك الاختناق !
أغلق أبو الخيزران الغطاء بسرعة ودور يده المضلعة دورتين ثم انحدر راكضاً إلى مقعده، وبدأت السيارة، قبل أن ينغلق الباب، تلتهم الطريق.. !
في تلك الدقائق القليلة كانت، ثمة، فكرة واحدة تحوم في رأس أبي الخيزران، ليس غير
إن الطريق المحفرة ، التي تشبه درجا منبسطاً تهز السيارة وترجفها بلا هوادة وبلا إنقطاع .. إن هذا العزيز جدير بأن يجعل البيض عجة في وقت أقل مما تستطيع الخفاقة الكهربائية أن تفعل.. لا بأس بذلك بالنسبة لمروان فهو فتى، ولا بأس بذلك بالنسبة لأسعد فهو قوي البنية.. ولكن، ماذا عن أبي قيس؟ لا شك أن أسنانه تصطلك مثل إنسان على وشك أن يموت من شدة الصقيع، ولكن الفرق أنه ليس ثمة صقيع هنا.
بوسع أبي الخيزران أن يتلافى بعض هذا الهزيز لو زاد من سرعته أكثر.. لو جعل هذه الدبابة الجهنمية تسير بسرعة مئة وعشرين بدل التسعين التي يشير لها المؤشر الآن .. ولكن إذا فعل ذلك من يضمن أن لا تنقلب السيارة فوق مثل هذه الطريق الملعونة ؟ لا بأس أن تنقلب السيارة فهي ليست له ، ولكن ماذا لو استقرت على قفاها؟ ثم من قال أن محرك السيارة يتحمل مثل هذه السرعة في مثل هذا الجو وهذه الأرض؟ إنهم يضعون دائمًا على المؤشر أرقاماً عالية ليس من الحكمة أن يبلغها السائق الماهر..
لم يخفف السرعة حين وصل إلى صفوان ، بل إنه - حين دور في الساحة متجهاً إلى اليسار حيث يقوم المخفر لم يرفع قدمه عن مضغط البنزين قيد شعرة بل جعلها دورة واسعة نثرت الغبار في حلقة واسعة.. ولم يرفع قدمه إلا حين ضغط المكبح أمام باب المخفر بعنف، ومرق كالسهم إلى الداخل.
ساحة الجمرك ساحة رملية واسعة في صفوان تتوسطها شجرة كبيرة يتيمة تتهدل أوراقها المتطاولة فترمي ظلا واسعاً في الساحة.. وعلى الأطراف تنتصب حجرات ذات أبواب خشبية واطئة في داخلها مكاتب مكتظة ورجال مشغولون دائماً.. لم يلحظ أبو الخيزران، وهو يقتحم الساحة بقده المديد، سوى بعض النسوة الجالسات في ظل الشجرة ملتفعات بالعباءات. كان ثمة طفل أو طفلان يقفان إلى جانب صنبور المياه وكان الحاجب نائماً فوق كرسي القش العتيق.
أبو الخيزران متعجل اليوم !
- نعم.. الحج رضا ينتظر.. إذا تأخرت طردني.
- الحج رضا لن يطردك ، لا تخف.. لا يمكن أن يعثر على شاب مثلك.
- هه ! الشباب يملأون الأرض كالفقع.. لو أشار بيديه لتهاووا فوقه كالذباب.
- ماذا تحمل معك؟
- أسلحة ! دبابات! ومصفحات ! وست طائرات ومدفعين..
انفجر الرجل ضاحكاً من أعماقه وتناول أبو الخيزران الأوراق من تحت يديه بخفة وانطلق إلى الخارج .. قال في ذات نفسه وهو يدخل إلى غرفة أخرى : " أصعب المراحل انتهت " بعد دقيقة واحدة خرج من الغرفة الأخرى.. وبأقل من لمح البصر كان يدور المحرك فيمزق السكون الضارب فوق صفوان وينطلق إلى الطريق من جديد.
فيما كانت السيارة تنطلق كالسهم تاركة وراءها خطاً من غيوم الغبار كان أبو الخيزران ينزف عرقاً غزيراً يصب في وجهه ممرات متشعبة تلتقي عند ذقنه.. كانت الشمس ساطعة متوهجة وكان الهواء ساخناً مشبعاً بغبار دقيق كأنه الطحين: " لم أر في حياتي مثل هذا الطقس اللعين.. " فك أزرار قميصه فلامست أصابعه شعر صدره الغزيز المبتل.. كانت الطريق قد استوت، ولم تعد السيارة ترجف شأنها من قبل فزاد من سرعته - كان المؤشر يندفع إلى الأمام ككلب أبيض مربوط إلى وتد.
نظر إلى الأمام بعينيه الغارقتين في عرقه فتبين نهاية الهضبة الصغيرة.. وراء هذه الهضبة تحتجب صفوان، وهناك يتعين عليه أن يقف.
زود ضغط قدمه فوق المضغط كيما تتسلق السيارة الهضبة دون أن تتباطأ، وأحس بأن عضلة ساقه قد تكورت حتى أوشكت أن تتمزع، الأرض تنطوي والسيارة تزأر، والزجاج يتوهج والعرق يحرق عينيه، وما تزال قمة الهضبة تتراءى له بعيدة كالأبد.. يا إلهي العزيز العلى القدير، كيف يمكن لقمة هضبة ما أن تعني كل هذه المشاعر التي تموج في شرايينه وتصب لهبها على جلده الملوث بالوحل عرقا، مالحا ؟ يا إلهي العلى الذي لم تكن معي أبداً، الذي لم تنظر إلى أبداً، الذي لا أؤمن بك أبداً. أيمكن أن تكون هنا هذه المرة؟ هذه المرة فقط؟
رف عينيه رفات سريعة ليغسل العرق عن جفنيه، وحين فتحهما آخر مرة كانت قمة الهضبة قد صارت أمامه..
وصل إلى أعلاها فأطفأ المحرك وترك " السيارة تنزلق قليلا ثم أوقفها وقفز من الباب إلى ظهر الخزان.
خرج مروان أولاً : رفع ذراعيه فانتشله أبو الخيزران بعنف وتركه مفروشا فوق سطح الخزان.. أطل أبو قيس برأسه ثم حاول أن يخرج إلا أنه لم يستطع، عاد فأخرج ذراعيه وترك أبا الخيزران يساعده.. أما أسعد فقد استطاع أن يتسلق الفوهة. كان قد خلع قميصه.
جلس أبو الخيزران فوق سطح الخزان الساخن. كان يلهث وبدا أنه قد كبر عن ذي قبل.. بينما انزلق أبو قيس ببطء فوق العجلات واستلقى في ظل السيارة منبطحا على وجهه . وقف أسعد هنيهة يتنشق بملء صدره. كان يبدو؟ أنه يريد أن يتكلم إلا أنه لم يستطع .. وأخيراً قال لاهثاً :
أووف ! الطقس هنا في غاية البرودة !
كان وجهه محمرا ومبتلا، وكان بنطاله مغسولاً بالعرق أما صدره فقد انطبعت عليه علائم الصدأ فبدا وكأنه ملطخ بالدم.. نهض مروان وهبط السلم الحديدي بإعياء.. كانت عيناه حمراوين وكان صدره مصبوغاً بالصدأ وحين وصل إلى الأرض وضع رأسه فوق فخذ أبي قيس ومدد جسده ببطء إلى جانب العجل.. بعد لحظة تبعه أسعد ثم أبو الخيزران فجلسا واضعين رأسيهما فوق ركبهما المطوية.. قال أبو الخيزران بعد فترة:
- هل كان الأمر مخيفاً ؟
لم يجبه أحد.. فدور نظره فوق وجوههم فبدت له وجوهاً صفراء محنطة، ولولا أن صدر مروان كان يرتفع ويهبط، ولولا أن أبا قيس كان يتنفس بصفير مسموع، لخيل إليه إذن أنهما ميتان..
- قلت لكم سبع دقائق.. ورغم ذلك لم يستغرق الأمر أكثر من ست.
نظر إليه أسعد ببرود بينما فتح مروان عينيه دون أن ينظر إلى شيء معين ودور أبو قيس وجهه إلى الناحية الأخرى.
- أقسم لك بشرفي. ست دقائق ! انظر إلى الساعة يا أسعد. ست دقائق بالضبطا انظر ! لماذا لا تريد أن تنظر؟ لقد قلت لكما ذلك، قلته منذ البدء، وأنتم تعتقدون الآن أنني أكذب عليكم.. ها هي الساعة انظر.. انظر.
رفع مروان رأسه ثم استند على عضديه وأخذ ينظر، ملقياً رأسه بعض الشيء إلى الوراء، باتجاه أبي الخيزران.. لم يكن يبدو أنه يراه بوضوح..
- هل جربت أن تجلس هناك ست دقائق؟
- لقد قلت لكم..
- ثم إنها لم تكن ست دقائق.
- لماذا لا تنظر إلى ساعتك.. لماذا ؟ إنها في رسغك، هيا انظر.. انظر.. وكف عن التحديق بي كالمجنون..
قال أبو قيس:
- إنها ست دقائق.. كنت طوال الوقت أعد .. من الواحد إلى الستين: دقيقة، هكذا حسبت.. عددت ست مرات.. في المرة الأخيرة عددت ببطء شديد..
كان يتكلم بصوت منخفض وببطء.. فقال أسعد:
- ماذا بك يا أبا قيس، هل أنت مريض؟
- أنا؟ أنا؟ أوف، كلا.. لكنني أتنفس حصتي من الهواء.
وقف أبو الخيزران ونفض عن بنطاله الرمل ثم ثبت كفيه فوق خاصرتيه وأخذ ينقل بصره بين الرجال الثلاثة:
- هيا بنا.. يجب أن لا نضيع وقتا أكثر.. أمامكم حمام تركي آخر بعد فترة وجيزة.
نهض أبو قيس واتجه إلى غرفة السائق بينما تسلق أسعد السلم الحديدي وبقي مروان جالساً في الظل.
قال أبو الخيزران:
- ألا تريد أن تنهض
- لماذا لا نستريح قليلا؟
صاح أسعد من فوق:
- سنستريح كثيرا بعد أن نصل وليس قبل ذلك.. هيا..
ضحك أبو الخيزران بصوت عال.. ثم ضرب بكفه فوق كتف مروان وقال:
- تعال اجلس إلى جانب أبي قيس، إنك نحيل ولن تضايقنا كثيراً. ثم إنك، كما يبدو متعب جدا.
صعد مروان فجلس إلى جانب أبي قيس بينما صاح أبو الخيزران بصوت عال قبل أن يغلق الباب:
- البس قميصك يا أسعد وإلا شوتك الشمس..
قال مروان لأبي الخيزران بصوت موهن:
- قل له أن يترك باب الفرن مفتوحا عله يبترد.
صاح أبو الخيزران جذلا :
- واترك باب الخزان مفتوحاً..
هدر المحرك ومضت السيارة الكبيرة ترسم في الصحراء خطاً من الضباب، يتعالى، ثم يذوب في القيظ..

الشمـــــــــس والـــــظل

شق العالم الصغير الموهن طريقه في الصحراء مثل قطرة زيت ثقيلة فوق صفيحة قصدير متوهجة.. كانت الشمس ترتفع فوق رؤوسهم مستديرة متوهجة براقة، ولم يعد أحد منهم يهتم بتجفيف عرقه .. فرش أسعد قميصه فوق رأسه وطوى ساقيه إلى فخذيه وترك للشمس أن تشويه بلا مقاومة.. أما مروان فقد اتكأ برأسه على كتف أبي قيس وأغمض عينيه.. وكان أبو قيس كدق إلى الطريق مطبقاً شفتيه بإحكام تحت شاربه الرمادي الكث.
لم يكن أي واحد من الأربعة يرغب في مزيد من الحديث.. ليس لأن التعب قد أنهكهم فقط بل لأن كل واحد منهم غاص في أفكاره عميقاً عميقاً.. كانت السيارة الضخمة تشق الطريق بهم وبأحلامهم وعائلاتهم ومطامحهم وأمالهم وبؤسهم ويأسهم وقوتهم وضعفهم وماضيهم ومستقبلهم.. كما لو أنها آخذة في نطح باب جبار لقدر جديد مجهول.. وكانت العيون كلها معلقة فوق صفحة ذلك الباب كأنها مشدودة إليه بحبال غير مرئية.
سوف يكون بوسعنا أن نعلم قيساً وأن نشتري عرق زيتون أو عرقين، وربما نبني غرفة نسكنها وتكون لنا، أنا رجل عجوز قد أصل وقد لا أصل.. أو تحسب إذن أن حياتك هنا أفضل كثيراً من موتك؟ لماذا لا تحاول مثلنا؟ لماذا لا تنهض من فوق تلك الوسادة وتضرب في بلاد الله بحثاً عن الخبز؟ هل ستبقي كل عمرك تأكل من طحين الإعاشة الذي تهرق من أجل كيلو واحد منه كل كرامتك على أعتاب الموظفين؟
وتمضي السيارة فوق الأرض الملتهبة ويدوي محركها بلا هوادة..
شفيقة إمرأة بريئة.. كانت صبية يافعة حين طوحت قنبلة مورتر بساقها فبترها الأطباء من أعلى الفخذ.. وأمه لا تحب أن يحكي إنسان عن أبيه. زكريا راح.. هناك، في الكويت، ستتعلم كل شيء. ستعرف كل شيء.. أنت ما زلت فتى لا تفهم من الحياة إلا قدر ما يفهم الطفل الرضيع من بيت ! المدرسة لا تعلم شيئاً. لا تعلم سوى الكسل فاتركها وغص في المقلاة مثلما فعل سائر البشر.
السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة، ويدوي محركها بهدير شيطاني..
ربما كانت قنبلة مزروعة في الأرض تلك التي داس عليها فيما كان يركض، أو
ربما قذفها، أمامه، رجل كان مختبئاً في خندق قريب، كل ذلك لا يهم الآن.
ساقاه معلقتان إلى فوق وكتفاه ما زالتا فوق السرير الأبيض المريح والألم الرهيب يتلولب بين فخديه.. كانت، ثمة، امرأة تساعد الأطباء. كلما يتذكر ذلك يعبق وجهه بالخجل.. ثم ماذا نفعتك الوطنية ؟ لقد صرفت حياتك مغامراً ، وها أنت ذا أعجز من أن تنام إلى جانب امرأة ! وما الذي أفدته ؟ ليكسر الفخار بعضه. أنا لست أريد الآن إلا مزيداً من النقود.. مزيداً من النقود. السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة.. ويدوي محركها بالهدير.
دفعه الشرطي أمام الضابط فقال له: تحسب نفسك بطلا وأنت على أكتاف البغال تتظاهرون في الطريق ! بصق على وجهه ولكنه لم يتحرك فيما أخذت البصقة تسيل ببطء نازلة من جبينه، لزجة كريهة تتكوم على قمة أنفه.. أخرجوه، وحينما كان في الممر سمع الشرطي القابض على ذراعه بعنف يقول بصوت خفيض: " يلعن أبو هالبدلة ".. ثم أطلقه فمضى يركض. عمه يريد أن يزوجه ابنته ولذلك يريده أن يبدأ.. لولا ذلك لما حصل الخمسين ديناراً كل حياته.
السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة، ويهدر محركها مثل فم جبار يزدرد الطريق...
الشمس في وسط السماء ترسم فوق الصحراء قبة عريضة من لهب أبيض،
وشريط الغبار يعكس وهجاً يكاد يعمي العيون.. كانوا يقولون لهم إن فلاناً لم يعد من الكويت، لأنه مات، قتلته ضربة شمس، كان يغرس معوله في الأرض حين سقط فوقه وفوقها، وماذا،؟ ضربة شمس قتلته، تريدون أن تدفنوه هنا أو هناك؟ هذا كل شيء، ضربة شمس ! هذا صحيح، من الذي سماها ضربة؟ ألم يكن عبقريا ؟ كأن هذا الخلاء عملاق خفي يجلد رؤوسهم بسياط من نار وقار مغلي. ولكن أيمكن للشمس أن تقتلهم وتقتل كل الزخم المطوي في صدورهم ؟ كأن الأفكار كانت تسيل من رأس إلى رأس وتخفض بهواجس واحدة، لقد التقت العيون فجأة : نظر أبو الخيزران إلى مروان ثم إلى أبي قيس فوجده يحدق به، حاول أن يبتسم ولكنه لم يستطع فمسح عرق جبينه بكمه وقاله بصوت خفيض:
- هذه جهنم التي سمعت عنها.
- جهنم الله؟
- نعم.
- مد أبو الخيزران يده فأطفأ المحرك، ثم نزل ببطء فتبعه مروان وأبو قيس بينما بقي أسعد معلقاً فوق.
جلس أبو الخيزران في ظل السيارة وأشعل لفاقه ثم قال بصوت خفيض:
- لنسترح قليلاً قبل أن نبدأ التمثيلية مرة أخرى.
قاله أبو قيس :
- لماذا لم تتحرك بنا مساء أمس فتوفر علينا برودة الليل كل هذه المشقة؟
قال أبو الخيزران دون أن يرفع بصره عن الأرض:
- الطريق بين صفوان والمطلاع تمتلئ بالدوريات في الليل.. في النهار لا يمكن لأية دورية أن تغامر بالاستطلاع في مثل هذا القيظ..
قال مروان:
- إذا كانت سيارتك معصومة عن التفتيش.. فلماذا لا نبقي خارج ذلك السجن
الرهيب؟
قال أبو الخيزران بحدة :
- لا تكن سخيفاً .. هل أنت خائف إلى هذا الحد من البقاء خمس أو ست دقائق في الداخل ؟ لقد اجتزنا أكثر من نصف الطريق ولم يبق إلا الأسهل..
نهض أبو الخيزران واقفاً ثم اتجه، إلى المطارة المعلقة خارج الباب وفتحها:
- سوف أقيم لكم حفلة غداء رائعة حين نصل.. سأذبح دجاجتين..
رفع المطارة وصب في فمه الماء فبدأ يسيل من ركنيه مزرزبا إلى ذقنه ثم إلى قميصه المبتل ، وحين ارتوى صب ما تبقي في المطارة فوق رأسه وترك الماء يسيل على عنقه وصدره وجبينه وبدا شكله عجيباً. علق المطارة من جديد خارج الباب وفرش كفيه الكبيرتين وصاح:
- هيا بنا.. لقد تعلمتم الصنعة جيدا.. كم الساعة الآن ؟ إنها الحادية عشرة والنصف.. احسبوا.. سبع دقائق على الأكثر وأفتح لهم الباب.، تذكروا ذلك جيدا .. الحادية عشرة والنصف..
نظر مروان إلى ساعته وهز رأسه ، لقد حاول أن يقول شيئاً إلا أنه لم يستطع، فمشى خطوات قليلة إلى السلم الحديدي وبدأ يتسلقه.
طوى أسعد قميصه وغاص في الفوهة.. تردد مروان قليلا ثم تبعه متكئاً ببطنه فوق الحافة منزلقاً ببراعة وقسوة بينما هز أبو قيس رأسه وقال :
- سبع دقائق؟
ربت أبو الخيزران على كتف أبي قيس ونظر مباشرة في عينيه ، كانا واقفين هناك معاً يتصببان عرفاً، ولكنهما لم يستطيعا الكلام.
تسلق أبو قيس السلم بثبات ثم أسقط ساقيه داخل الفوهة فأعانه الشابان على النزول.
أغلق أبو الخيزران الباب ودور الذراع المضلعة دورتين ثم قفز إلى الأرض متعجلا وانطلق إلى مقعده.
بعد دقيقة ونصف فقط اجتاز أبو الخيزران بسيارته الباب الكبير المفتوح في الأسلاك الشائكة المشدودة حول مركز المطلاع وأوقف سيارته أمام السلم . العريض الذي يرقى إلى البناء المقرمد ذي الطابق الواحد، والذي تمتد على جانبيه غرف صغيرة ذات شبابيك واطئة مغلقة، بينما تقوم بضعة عربات لبيع المأكولات قبالته، وكانت أصوات مكيفات الهواء تملأ الساحة بالضجيج.
لم يكن ثمة، غير سيارة أو سيارتين واقفتين في طرف الساحة الكبيرة بالانتظار، كان الصمت مطبقا بكثافة إلا من أصوات هدير مكيفات الهواء المثبتة على كل الشبابيك المطلة على الساحة، ولم يكن هناك سوى جندي واحد واقف في كوخ خشبي صغير يقع إلى جانب الدرج العريض.
ارتقى أبو الخيزران الدرج مسرعاً واتجه إلى الغرفة الثالثة إلى اليمين، وفور أن فتح الباب ودخل أحس، نتيجة للنظرات التي انصبت عليه من قبل الموظفين، أن شيئاً ما سوف يحدث، إلا أنه لم يتباطأ ودفع أوراقه أمام الموظف السمين الذي كان يجلس في صدر الغرفة.
- ها ! أبو خيزرانة !
قال الموظف وهو ينحي الأوراق من أمامه بلا مبالاة متعمدة ويكتف ذراعيه فوق الطاولة الحديدية..
- أين كنت كل هذا الوقت؟
قال أبو الخيزران لاهثاً :
- في البصرة.
- سأل عنك الحاج رضا أكثر من ست مرات.
- كانت السيارة معطلة.
ضج الموظفون الثلاثة الذين يشغلون الغرفة ضاحكين بصخب فالتفت أبو الخيزران حواليه حائراً ثم ثبت نظره على وجه الرجل السمين :
- ما الذي يضحككم في هذا الصباح ؟
تبادل الموظفون النظر ثم انفجروا ضاحكين من جديد.. قال أبو الخيزران متوتراً وهو ينقل قدماً ويضعها مكان الأخرى :
- والآن يا أبو باقر .. لا وقت لدي للمزاح.. أرجوك . مديده فقرب الأوراق إلى أمامه، إلا أن أبا باقر عاد فنحى الأوراق إلى طرف الطاولة وكتف ذراعيه من جديد وهو يبتسم ابتسامة خبيثة:
- سأل عنك الحاج رضا ست مرات..
- قلت لك: كانت السيارة معطلة.. ثم إنني والحج رضا نستطيع أن نتفاهم حين نلتقي.. وقع الأوراق رجاء، إنني على عجل..
قرب الأوراق من جديد إلا أن أبا باقر نحاها مرة أخرى.
- كانت سيارتك معطلة؟
- نعم ..أرجوك إني مستعجل.
نظر الموظفون الثلاثة إلى بعضهم وضحكوا بخبث - ولكن بصوت خفيض - كانت طاولة أحدهم فارغة تماماً إلا من كأس شاي زجاجي صغير، وكان الآخر قد كف عن عمله وأخذ يتابع ما يحدث.
قال الرجل السمين المسمى أبو باقر وهو يتجشأ:
- والآن.. كن عاقلا يا أبو خيزرانة.. لماذا تتعجل السفر في مثل هذا الطقس الرهيب ؟ الغرفة هنا باردة وسوف أطلب لك استكانة شاي.. فتمتع بالنعم !
حمل أبو الخيزران الأوراق ثم تناول القلم من أمام أبي باقر ودار حول الطاولة حتى صار إلى جانبه فانحنى ودفع له القلم وهو يدفع، بذراعه، كتف أبي باقر:
- في طريق عودتي سأجلس عندك ساعة، ولكن الآن دعني أمشي كرامة لباقر وأم باقر.. خذ.
إلا أن أبا باكر لم يمد يده وبقي يحدق إليه بعينين بلهاوين وهو على وشك أن ينفجر بالضحك.
- آه يا ملعون يا أبا خيزرانة ! لماذا لا تتذكر أنك على عجلة حين تكون في البصرة ؟ ها ؟
- قلت لك أن السيارة كانت في الكاراج :
دفع له القلم مرة أخرى إلا أن أبا باقر لم يتحرك :
- لا تكذب يا أبو خيزرانة.. لا تكذب.. الحج رضا حكى لنا القصة من الألف للياء..
- أية قصة؟
نظر الجميع إلى بعضهم فيما انقلب وجه أبي الخيزران الهزيل فصار مبيضاً من فرط الرعب وأخذ القلم يرتجف في يده.
قصة تلك الراقصة.. ما اسمها يا علي؟
أجاب على من وراء الطاولة الفارغة:
كوكب.
ضرب أبو باقر طاولته بيده واتسعت ابتسامته:
كوكب ! كوكب ! يا أبا خيزرانة يا ملعون.. لماذا لا تحكي لنا قصصك في البصرة ؟ تمثل أمامنا أنك رجل مهذب، ثم تمضي إلى البصرة فتمارس الشرور السبعة مع تلك الراقصة.. كوكب.. آه.. كوكب هذا هو الاسم.
طاح أبو الخيزران محاولا أن لا يتجاوز حد المزاح.
أي كوكب وأي بطيخ ! دعني أمضى قبل أن يطردني الحج..
قال أبو باقر:
- لا يمكن ! حدثنا عن تلك الراقصة.. الحج يعرف قصتك كلها وقد رواها لنا.. هيا.
- إذا رواها الحج لكم.. فلماذا تريدونني أن أرويها مرة أخرى .
وقف أبو باقر وصاح كالثور:
- إذن.. إنها قصة حقيقية !.. قصة حقيقية !
دار حول الطاولة حتى صار في منتصف الغرفة. كانت القصة الفاجرة قد هيجته.
لقد فكر بها ليل نهار، ركب فوقها كل المجون الذي خلقه حرمانه الطويل الممض، كانت فكرة أن صديقاً له قد ضاجع عاهرة ما، فكرة مهيجة تستحق كل تلك الأحلام:
- تذهب إلى البصرة وتدعي أن السيارة قد تعطلت.. ثم تمضي
مع كوكب أسعد ليالى العمر! يا سلام يا أبو خيزرانة.. يا سلام يا ملعون..
ولكن قل لنا كيف أحبتك؟ الحج رضا يقول أنها من فرط حبها لك تصرف نقودها عليك وتعطيك شيكات.. آه يا أبو خيزرانة يا ملعون !
اقترب منه، كان وجهه محمرا وكان من الواضح أنه أمضى وقتاً طيباً وهو يتفكر في القصة كما رواها الحاج رضا له على الهاتف.. انحنى فوق أذنه وهمس بصوت مبحوح:
أتراها فحولتك؟ أم قلة الرجال؟
ضحك أبو الخيزران ضحكة هستيرية ودفع الأوراق إلى صدر أبي باقر الذي تناول القلم دون وعي وأخذ يوقعها وهو يرتج بالضحك المكبوت، ولكن حين مد أبو الحيزران يده ليتناولها خبأها أبو باقر وراء ظهره ومد ذراعه الأخرى بينه وبين أبي الخيزران.
في المرة القادمة سأذهب معك إلى البصرة.. أتوافق؟ تعرفني على كوكب هذه.. الحج رضا يقول إنها جميلة حقاً.
قال أبو الخيزران راجفاً وهو يمد ذراعه محاولاً أن يصل إلى الأوراق:
- موافق..
- بشرفك؟
- بشرفي..
ضج أبو باقر بالضحك من جديد وأخذ يهز برأسه المدور وهو يعود إلى مكتبه بينما اندفع أبو الخيزران بأوراقه إلى الخارج وصوت أبي باقر يلاحقه:
- يا ملعون يا أبا خيزرانه ! خدعنا أكثر من سنتين، وانكشف الآن.. آه يا ملعون يا أبا خيزرانه.
اقتحم أبو الخيزران الغرفة الأخرى وهو يحدق إلى ساعته، كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا ربعاً.. توقيع الأوراق الأخرى لم يستغرق أكثر من دقيقة.. وحين صفق وراءه الباب لسعه القيظ من جديد ولكنه لم يهتم بالأمر وقفز الدرج العريض مثنى مثنى حتى صار أمام سيارته، حدق إلى الخزان لحظة وخيل إليه أن حديده على وشك أن ينصهر تحت تلك الشمس الرهيبة، استجاب المحرك لأول ضغطة، وطوى الباب في لحظة دون أن يلوح للحارس.. الطريق الآن معبدة تماماً وأمامه دقيقة أو دقيقة ونصف ليتجاوز أول منعطف يحجبه عن مركز المطلاع، لقد اضطر إلى تخفيف السرعة قليلا حين التقى سيارة شحن كبيرة، ثم عاد فأطلق لسيارته كل العنان الممكن وحين وصل إلى المنعطف صفرت العجلات صفيراً متواصلا كأنه النواح وكادت أن تمس الرصيف الرملي وهي تقوم بدورتها الشيطانية الواسعة.. لم يكن في رأسه أي شيء سوى الرعب وخيل إليه أنه على وشك أن يقع فوق مقودة مغمياً عليه.. كان المقود ساخناً وكان يحسه يحرق كفيه الخشنتين ولكنه لم يخفف من تمسكه به، كان المقعد الجلدي يلتهب تحته وكان زجاج الواجهة مغبراً يتوهج ببريق الشمس.
أزيز عريض ترسله العجلات كأنها تسلخ الإسفلت سلخاً من تحتها، أكان من الضروري أن تتفلسف يا أبا باقر؟ أكان من الضروري أن تقيء كل قاذوراتك على وجهي وعلى وجوههم؟ يا لعنة الإله العلى القدير عليك، يا لعنة الإله تنصب عليك يا أبا باقر! وعليك يا حاج رضا يا كذاب ! راقصة؟ كوكب؟ يا لعنة الله عليكم كلكم..
أوقف السيارة بعنف وتسلق فوق العجل إلى سطح الخزان.. وحين لامست كفاه السطح الحديدي أحس بهما تحترقان ولم يستطع أن يبقيهما هناك فسحبهما واتكأ بكميه - عند الكوعين - فوق حديد السطح ثم زحف إلى القفل المضلع، وأمسكه بطرف قميصه الأزرق ودوره فانفتح مقرقعاً واستوى القرص الحديدي الصدىء مستقيماً فوق مفصله.
حين ترك القرص لمح عقارب الساعة الملتفة على زنده: كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا تسع دقائق. وكان زجاجها المدور قد تشقق - شقوقاً مضلعة صغيرة. الفوهة المفتوحة بقيت تخفق بالفراغ لحظة، كان وجه أبي الخيزران مشدوداً إليها متشنجاً وشفته السفلى ترتجف باللهاث والرعب، سقطت نقطة عرق عن جبينه إلى سطح الخزان الحديدي وما لبثت أن جفت.. وضع كفيه على ركبتيه وقوس ظهره المبتل حتى صار وجهه فوق الفوهة السوداء وصاح بصوت خشبي يابس:
- أسعد !
دوى الصدى داخل الخزان فكاد أن يثقب أذنيه وهو يرتد إليه، وقبل أن تتلاشى دوامة الهدير التي خلقها نداؤه الأول صاح مرة أخرى:
- يا هوه..
وضع كفين صلبتين فوق حافة الفوهة واعتمد على ذراعيه القويتين ثم انزلق إلى داخل الخزان.. كان الظلام شديداً في الداخل حتى إنه لم يستطع أن يرى شيئاً بادئ الأمر، وحين نحى جسده بعيداً عن الفوهة سقطت دائرة ضوء صفراء إلى القاع وأضاءت صدرا يملؤه شعر رمادي كث أخذ يلتمع متوهجاً كأنه مطلي بالقصدير.. انحنى أبو الخيزران ووضع أذنه فوق الشعر الرمادي المبتل : كان الجسد بارداً وصامتاً. مد يده وتحسس طريقه إلى ركن الخزان، كان الجسد الآخر ما زال متمسكاً بالعارضة الحديدية. حاول أن يهتدي إلى الرأس فلم يستطع أن يتحسس إلا الكتفين المبتلين ثم تبين الرأس منحدراً إلى الصدر، وحين لامست كفه الوجه سقطت في فم مفتوح على وسعه.
أحس أبو الخيزران أنه على وشك أن يختنق، كان جسده قد بدأ ينزف عرقاً بشكل مريع حتى بات يشعر أنه مدهون بالزيت الثقيل ولم يدر، أهو يرتجف بسبب إطباق هذا الزيت على صدره وظهره، أم بسبب الرعب؟ تحسس طريقه منحنياً إلى الفوهة وحين أخرج رأسه منها لم يدر لماذا سقطت في ذهنه صورة وجه مروان دون أن تبرح. لقد أحس بالوجه يلبسه من الداخل مثل صورة ترتجف على حائط فأخذ يهز رأسه بعنف وهو ينسل من الفوهة فتحرق رأسه شمس لا ترحم.. وقف هنيهة يتنشق هواء جديداً، لم يكن ليستطيع أن يفكر بأي شيء، كان وجه مروان يطغي في رأسه مثل نبعة انبثقت هادرة من الأرض شامخة إلى علو رهيب.. وحين وصل إلى كرسيه تذكر أبا قيس، كان قميصه ما زال موضوعاً على المقعد إلى جانبه فتناوله بأصابعه وقذف به بعيداً.. ودور محرك سيارته فبدأ يهدر من جديد، ومضت السيارة تدرج فوق المنحدر ببطء وجبروت.
التفت وراءه، عبر النافذة المشبكة الصغيرة، فشاهد القرص الحديدي مفتوحا مستويا فوق مفصله يأكل باطنه الصدأ.. وفجأة غاب القرص الحديدي وراء نقاط من الماء المالح ملأت عينيه. كان الصداع يتآكله وكان يحس بالدوار إلى حد لم يعرف فيه.. هل كانت هذه النقاط المالحة دموعاً ؟ أم عرقاً نزفه جبينه الملتهب؟
القبر
قاد أبو الخيزران سيارته الكبيرة حين هبط الليل متجهاً إلى خارج المدينة النائمة.. كانت الأضواء الشاحبة ترتعش على طول الطريق، وكان يعرف أن هذه الأعمدة التي تنسحب أمام شباك سيارته سوف تنتهي بعد قليل حينما يغرق في البعد عن المدينة.. وسوف يعم الظلام.. فالليلة لا قمر فيها، وأطراف الصحراء ستكون صامتة كالموت.
انحرف بسيارته عن الطريق الأسفلت ومضى يتدرج في طريق رملي إلى داخل الصحراء. لقد قر قراره منذ الظهيرة على أن يدفنهم، واحداً واحداً، في ثلاثة قبور... أما الآن فإنه يحس بالتعب يتآكله فكأن ذراعيه قد حقنتا بمخدر.. لا طاقة له على العمل.. ولن يكون بوسعه أن يحمل الرضا ساعات طويلة ليحضر ثلاثة قبور.. قبل أن يتجه إلى سيارته ويخرجها من كاراج الحاج رضا. قال في ذات نفسه أنه لن يدفنهم، بل سيلقي بالأجساد الثلاتة في الصحراء ويكر عائداً إلى بيته.. الآن، لم تعجبه الفكرة، لا يروقه أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء ثم تكون نهباً للجوارح والحيوانات.. ثم لا يبقي منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل.
درجت السيارة بصوت هزيل فوق الطريق الرملي، ومضى هو يفكر.. لم يكن يفكر بالمعنى الصحيح، كانت أشرطة من مشاهد مقطعة تمر في جبينه بلا أي توقف أو ترابط أو تفسير.. وكان يشعر بإرهاق مر يتسرب في عظامه كقوافل مستقيمة من النمل.
هبت نسمة ريح فحملت إلى أنفه رائحة نتنة.. قال في ذات نفسه :"هنا تكوم البلدية القمامة " ثم فكر: " لو ألقيت الأجساد هنا لاكتشفت في الصباح،
ولدفنت بإشراف الحكومة " دور مقود سيارته وتتبع آثار عجلات عديدة حفرت طريقها قبله في الرمل ثم أطفأ فانوسي سيارته الكبيرين وسار متمهلاً على ضوء الفانوسين الصغيرين، وحين لاحت أمامه أكوام القمامة سوداء عالية أطفأ الفانوسين الصغيرين.. كانت الرائحة النتنة قد ملأت الجو حواليه ولكنه ما لبث أن اعتادها.. ثم أوقف سيارته وهبط.
وقف أبو الخيزران إلى جانب سيارته لحيظات ليتأكد من أن أحداً لا يشاهده ثم صعد ظهر الخزان: كان بارداً رطباً.. دور القفل المضلع ببطء، ثم شد القرص الحديدي إلى فوق فقرقع بصوت متقطع.. اعتمد ذراعيه وانزلق إلى الداخل بخفة.. كانت الجثة الأولى باردة صلبة، ألقى بها فوق كتفيه، أخرج الرأس أولاً من الفوهة ثم رفع الجثة من الساقين وقذفها إلى فوق وسمح صوتها الكثيف يتدحرج فوق حافة الخزان ثم صوت ارتطامها المخنوق على الرمل، لقد لاقى صعوبة جمة في فك يدي الجثة الأخرى عن العارضة الحديدية، ثم سحبها من رجليها إلى الفوهة وقذفها من فوق كتفيه.. مستقيمة متشجنة وسمع صوت ارتطامها بالأرض.. أما الجثة الثالثة فقد كانت أسهل من أختيها..
قفز إلى الخارج وأغلق الفوهة ببطء، ثم هبط السلم إلى الأرض، كان الظلام كثيفاً مطبقاً وأحس بالارتياح لأن ذلك سوف يوفر عليه رؤية الوجوه ، جر الجثث - واحدة واحدة - من أقدامها وألقاها على رأس الطريق، حيث تقف سيارات البلدية عادة لإلقاء قمامتها كي تتيسر فرصة رؤيتها لأول سائق قادم في الصباح الباكر.
صعد إلى مقعده ودور المحرك ثم كر عائدا إلى الوراء ببطء محاولاً قدر الإمكان أن يخلط آثار عجلات سيارته بالآثار الأخرى، كان قد اعتزم أن يعود إلى الشارع الرئيسي بذلك الشكل الخلفي حتى يشوش الأثر تماماً.. ولكنه ما لبث أن تنبه إلى أمر ما بعد أن قطع شوطاً فأطفاً محرك سيارته من جديد ثم وعاد يسير إلى حيث ترك الجثث فأخرج النقود من جيوبها؟ وانتزع ساعة مروان وعاد أدراجه إلى السيارة ماشياً على حافتي حذائه.
حين وصل إلى باب السيارة ورفع ساقاً إلى فوق تفجرت فكرة مفاجئة في رأسه.. بقي واقفاً متشنجاً في مكانه محاولاً أن يفعل شيئاً، أو يقول شيئاً.. فكر أن يصيح إلا أنه ما لبث أن أحس بغباء الفكرة، حاول أن يكمل صعوده إلى السيارة إلا أنه. لم يشعر بالقوة الكافية ليفعل.. لقد شعر بأن رأسه على وشك أن تنفجر، وصعد كل التعب الذي كان يحسه فجأة، إلى رأسه وأخذ يطن فيه حتى أنه احتواه بين كفيه وبدأ يشد شعره ليزيح الفكرة.. ولكنها كانت ما تزال هناك.. كبيرة داوية ضخمة لا تتزعزع ولا تتوارى ، التفت إلى الوراء حيث ألقى بالجثث، إلا أنه لم ير شيئاً، ولم تجد النظرة تلك إلا بأن أوقدت الفكرة ضراماً فبدأت تشتعل في رأسه.. وفجأة لم يعد بوسعه أن يكبحها داخل رأسه أكثر فأسقط يديه إلى جنبيه وحدق في العتمة وسع حدقتيه.
انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه:
- " لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟... "
دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود:
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى:
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟




على هذه الأرض ما يستحق الحياة
لا أفهم هذه المناورات•• لا افهم السياسة، لفلسطين طريق واحد وحيد هو البندقية•
بلال والله بحوبك
  اقتباس المشاركة
قديم 03-31-2007, 08:48 PM   #3
أبو يقين

.|[ رفـحآوي أصـيل ]|.
 
الصورة الرمزية أبو يقين
Real Madrid For Ever

قوة السمعة: 452 أبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond repute

افتراضي رد: مكتبة روايات غسان كنفاني أرجو التثبيت

غسان كنفاني

عائد إلى حيفا

حين وصل "سعيد س." إلى مشارف حيفا ، قادما إليها بسيارته عن طريق القدس ، أحس أن شيئا ما ربط لسانه ، فالتزم الصمت ، وشعر بالأسى يتسلقه من الداخل .وللحظة واحدة راودته فكرة أن يرجع ، ودون أن ينظر إليها كان يعرف أنها آخذة بالبكاء الصامت ، وفجأة جاء صوت البحر، تماما كما كان . كلا ،لم تعد إليه الذاكرة شيئا فشيئا . بل انهالت في داخل رأسه ، كما يتساقط جدار من الحجارة ويتراكم بعضه فوق بعض. لقد جاءت الأمور والأحداث فجأة ، وأخذت تتساقط فوق بعضها وتملأ جسده . وقال لنفسه أن " صفية " زوجته ، تحس الشيء ذاته ، وأنها لذلك تبكي.
منذ أن غادر رام الله في الصباح لم يكف عن الكلام ، ولا هي كفت ، كانت الحقول تتسرب تحت نظرة عبر زجاج سيارته ، وكان الحر لا يطاق ، فقد أحس بجبهته تلتهب ، تماما كما الإسفلت يشتعل تحت عجلات سيارته ، وفوقه كانت الشمس ، شمس حزيران الرهيب ، تصب قار غضبها على الأرض
طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم ويتكلم ، تحدث إلى زوجته عن كل شيء ، عن الحرب وعن الهزيمة وعن بوابة مندلبوم التي هدمتها الجرارات . وعن العدو الذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات . وعن وقف إطلاق النار والراديو ونهب الجنود للأشياء والأثاث ، ومنع التجول ، وابن العم الذي في الكويت يأكله القلق ، والجار الذي لم أغراضه وهرب ، والجنود الثلاثة الذين قاتلوا وحدهم يومين على تله تقع قرب مستشفى أوغستا فكتوريا ، والرجال الذين خلعوا بزاتهم وقاتلوا في شوارع القدس، والفلاح الذي أعدموه لحظة رأوه قرب أكبر فنادق رام الله . وتحدثت زوجته عن أمور كثيرة أخرى ، طوال الطريق لم يكفا عن الحديث. والآن ، حين وصلا إلى مدخل حيفا ، صمتا معا ، واكتشفا في تلك اللحظة أنهما لم يتحدثا حرفا واحدا عن الأمر الذي جاءا من أجله !

هذه هي حيفا إذن ، بعد عشرين سنة .

ظهر يوم الثلاثين من حزيران ، 1967 ، كانت سيارة " الفيات " الرماية التي تحمل رقما اردنيا أبيض تشق طريقها نحو الشمال ، عبر المرج الذي كان اسمه مرج بن عامر قبل عشرين سنة ، وتتسلق الطريق الساحلي نحو مدخل حيفا الجنوبي . وحين عبر الشارع ودخل إلى الطريق الرئيسي انهارت الجدار كله ، وضاعت الطريق وراء ستار من الدموع ، ووجد نفسه يقول لزوجته (صفية ):
-" هذه هي حيفا يا صفية !"

وأحس المقود ثقيلا بين قبضتيه اللتين أخذتا تنضحان العرق أكثر من ذي قبل ، وخطر له أن يقول لزوجته :" إنني أعرفها ، حيفا هذه ، ولكنها تنكرني" ولكنه غير رأيه ، فقبل قليل فقط كانت فكرة قد خطرت له وقالها لزوجته :
-" أتعرفين ؟ طوال عشرين سنة كنت أتصور أن بوابة مندلبوم ستفتح ذات يوم …ولكن أبدا أبدا لم أتصور أنها ستفتح من الناحية الأخرى . لم يكن ذلك يخطر لي على بال ، ولذلك فحين فتحوها هم بدا لي الأمر مرعبا وسخيفا والى حد كبير مهينا تماما … قد أكون مجنونا لو قلت لك أن كل الأبواب يجب الا تفتح الا من جهة واحدة ، وإنها إذا فتحت من الجهة الأخرى فيجب اعتبارها مغلقة لا تزال ، ولكن تلك هي الحقيقة ".
والتفت إلى زوجته ، إلا أنها لم تكن تسمع ، كانت منصرمة إلى التحديق نحو الطريق : تارة إلى اليمين حيث كانت المزارع تمتد على مدى البصر وتارة إلى اليسار حيث كان البحر ، الذي ظل بعيدا أكثر من عشرين سنة ، يهدر على القرب . وقالت فجاءة :
-" لم أكن أتصور أبدا أنني سأراها مرة أخرى ".

وقال :
-" أنت لا ترينها ، إنهم يرونها لك".

وعندها فقدت أعصابها ، كان ذلك يحدث للمرة الأولى . وصاحت فجاءة :
- " ما هذه الفلسفة التي لم تكف عنها طوال النهار؟ الأبواب والرؤيا وأمور أخرى ، ماذا حدث لك ؟ ".
-" ماذا حدث لي؟".
قالها لنفسه وهو يرتجف، ولكنه تحكم بأعصابه وعاد يقول لها بهدوء :
-" لقد فتحوا الحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفورا، لم يحدث ذلك في أي حرب في التاريخ ، أتعرفين الشيء الفاجع الذي حدث في نيسان 1948 ، والآن ، بعد لماذا؟ لسواد عينيك وعيني؟ . لا . ذلك جزء من الحرب . إنهم يقولون لنا: تفضلوا انظروا كيف أننا أحسن منكم وأكثر رقيا . عليكم أن تقبلوا أن تكونوا خدما لنا ، معجبين بنا… ولكن رأيت بنفسك : لم يتغير شيء … كان بوسعنا أن نجعلها أحسن بكثير …"

-"إذن لماذا أتيت ؟"
ونظر إليها بحنق ، فصمتت.

كانت تعرف ، فلماذا تسأل؟ وهي التي قالت له أن يذهب ، فطوال عشرين سنة تجنبت الحديث عن ذلك ، عشرين سنة ثم ينبثق الماضي كما يندفع البركان…

وحين كان يقود سيارته وسط شوارع حيفا كانت رائحة الحرب ما تزال هناك ، بصورة ما ، غامضة ومثيرة ومستفزة ، وبدت له الوجوه قاسية ووحشية ، وبعد قليل اكتشف أنه يسوق سيارته في حيفا دون أن يشعر بأن شيئا في الشوارع قد تغير . كان يعرفها حجرا حجرا ومفرقا وراء مفرق ، فلطالما شق تلك الطرق بسيارته الفورد الخضراء موديل 1946 . إنه يعرفها جيدا، والآن يشعر بأنه لم يتغيب عنها عشرين سنة ، وهو يقود سيارته كما كان يفعل ، كما لو أنه لم يكن غائبا طوال تلك السنوات المريرة !

وأخذت الأسماء تنهال في رأسه كما لو أنها تنفض عنها طبقة كثيفة من الغبار : وادي النسناس ، شارع الملك فيصل ، ساحة الحناطير ، الحليصة ، الهادار، واختلطت عليه الأمور فجاءة ، ولكنه تماسك ، وسأل زوجته بصوت خافت :

-" حسنا ، من أين نبدأ؟".

ولكنها ظلت صامته . وسمع صوتها الخافت يبكي بما يشبه الصمت ، وقدر لنفسه العذاب الذي تعانيه ، وعرف أنه لا يستطيع معرفة العذاب على وجه الدقة ، ولكنه يعرف أنه عذاب كبير ، ظل هناك عشرين سنة، وأنه الآن ينتصب عملاقاً لا يصدق في أحشائها ، ورأسها ، وقلبها ، وذاكرتها، وتصوراتها ، ويهيمن على كل مستقبلها. واستغرب كيف أنه لم يفكر أبداً بما يمكن أن يعينه ذلك العذاب ، وبمدى ما هو غارق في تجاعيد وجهها وعينيها وعقلها . وكم كان معها في كل لقمة أكلتها ، وفي كل كوخ عاشت فيه ، وفي كل نظرة رمتها على أولادها وعليه وعلى نفسها . والآن ينبثق ذلك كله من بين الحطام والنسيان والأسى ، ويأتي على ركام الهزيمة المريرة التي ذاقها مرتين على الأقل في حياته .

وفجاءة جاء الماضي ، حادا مثل سكين : كان ينعطف بسيارته عند نهاية شارع الملك فيصل (فالشوارع بالنسبة له لم تغير أسماءها بعد) متجها نحو التقاطع الذي ينزل يسارا إلى الميناء ، ويتجه يمينا نحو الطريق المؤدي إلى وادي النسناس ، حين لمح مجموعة من الجنود المسلحين يقفزون على المفترق أمام حاجز حديدي. وحين كان يرمقهم بطرف عينيه ، صدر صوت انفجار ما من بعيد ، وأعقبته طلقات رصاص وفجأة أخذ المقود يرتجف بين يديه ، وكاد أن يرطم الرصيف ، وتماسك في اللحظة الأخيرة ، وشهد صبياً يعدو عبر الطريق ، وعندها جاء الماضي الراعب بكل ضجيجه . ولأول مرة منذ عشرين سنة تذكر ما حدث بالتفاصيل ، وكأنه يعيش مرة أخرى .

صباح الأربعاء ، 21 نيسان ، عام 1948 .

كانت حيفا مدينة لا تتوقع شيئاً ، رغم أنها كانت محكومة بتوتر غامض .

وفجأة جاء القصف من الشرق ، من تلال الكرمل العالية . ومضت قذائف الموتر تطير عبر وسط المدينة لتصب في الأحياء العربية .

وانقلبت شوارع حيفا إلى فوضى ، واكتسح الرعب المدينة التي أغلقت حوانيتها ونوافذ بيوتها .

كان ( سعيد . س ) في قلب المدينة ، حين بدأت أصوات الرصاص والمتفجرات تملأ سماء حيفا ، كان قد ظل حتى الظهر غير متوقع أن يكون ذلك هو الهجوم الشامل و عندها فقط حاول للوهلة الأولى أن يعود إلى البيت بسيارته . إلا أنه ما لبث أن اكتشف استحالة ذلك ، فمضى عبر شوارع فرعية محاولاً اجتياز الطريق إلى (( الحليصة)) حيث يقع منزله ، إلا أن القتال كان قد اتسع ، وصار يرى الرجال المسلحين يندفعون من الشوارع الفرعية إلى الرئيسية وبالعكس ، وكانت تحركاتهم تسير وفق توجيهات بمكبرات الصوت تنبثق هنا وهناك . وبعد لحظات شعر سعيد أنه يندفع دونما اتجاه ، وأن الأزقة المغلقة بالمتاريس أو بالرصاص أو بالجنود إنما تدفعه دون أن يحس ، نحو اتجاه وحيد ، وفي كل مرة كان يحاول العودة إلى وجهته الرئيسية ، منتقياً أحد الأزقة ، وكان يجد نفسه كأنما بقوة غير مرئية يرتد إلى طريق واحد ، ذلك هو المتجه نحو الساحل .

كان قد تزوج فبل عام وأربعة أشهر من صفية ، واستأجر بيته الصغير في تلك المنطقة التي حسب أنها ستكون أوفر أمناً ، وفجأة يشعر الآن بأنه لا يستطيع الوصول إليه .. كان يعرف أن زوجته الصغيرة لا تستطيع أن تتدبر أمرها ، فمنذ أن جاء بها من الريف لم تعتد أن تقبل العيش في المدينة الكبيرة ، أو أن تكيف نفسها مع ذلك التعقيد الذي كان يبدو راعباً لها ، وغير قابل للحل ، ترى ما الذي يمكن أن يحدث لها الآن ؟ .
كان ضائعاً ، تقريباً ، ولم يكن يعرف على وجه التعيين أين يحدث القتال وكيف ، وفي كل حدود علمه أن الإنكليز كانوا ما زالوا يسيطرون على المدينة ، وأن الأحداث في شكلها النهائي كان مقدراً لها أن تقع بعد ثلاثة أسابيع تقريباً ، حين يشرع البريطانيون في الانسحاب حسب الموعد الذي حددوه .

ولكنه فيما كان يسارع الخطو كان يعرف تماماً أن عليه أن يتجنب المناطق المرتفعة المتصلة بشارع هرتزل ، حيث كان اليهود يتمركزون منذ البدء ، ومن ناحية أخرى كان عليه أن يبتعد عن المركز التجاري الذي يقع بين حارة الحليصا وبين شارع اللنبي ، فقد كان ذلك المركز نقطة القوة في السلاح اليهودي .

وهكذا اندفع محاولا الدوران حول المركز التجاري كي يصل إلى الحليصا ، وكانت أمامه طريق تنتهي بوادي النسناس ، وتمر عبر المدينة القديمة .

وفجأة اختلطت عليه الأمور وتشابكت الأسماء: الحليصا، وادي رشميا ، البرج ، المدينة القديمة ، وادي النسناس، شعر أنه ضائع تماما ، وأنه فقد وجهة سيره . كان القصف قد اشتد ، ورغم انه كان بعيدا بعض الشيء عن مراكز الإطلاق إلا أنه استطاع أن يميز جنودا بريطانيين يسدون بعض المنافذ ويفتحون منافذ أخرى .

ويبدو أنه ، بصورة ما ، وجد نفسه في المدينة القديمة ، ومنها اندفع كأنما بقوة لا يعرفها ، نحو جنوب شارع ستانتون ، وكان يعرف الآن أنه يبعد أقل من مئتي متر عن شارع الحلحول ، وبدأ يشم رائحة البحر.

وعندها فقط تذكر " خلدون " الصغير ، ابنه الذي اتم في ذلك اليوم بالذات شهره الخامس ، وانتابه فجأه قلق غامض . ذلك هو الشيء الوحيد الذي ما زال يحس بطعمه تحت لسانه ، حتى في هذه اللحظات التي تبعد عشرين سنة عن المرة الأولى التي حدث فيها ذلك .

هل كان يتوقع تلك الفجيعة ؟ الأمور هنا تختلط . الماضي يتداخل مع الحاضر ، وهما يتداخلان مع أفكار وأوهام وتخيلات ومشاعر عشرين سنة لاحقة ، هل كان يعرف ؟ هل أحس ذلك الشيء الفاجع قبل أن يحدث ؟ أحيانا يقول لنفسه " بلى ، عرفت ذلك قبل أن يحدث " وأحيانا أخرى يقول لنفسه : " لا. أنا أتصور ذلك بعد أن حدث ، لم يكن من المتوقع أن أتوقع شيئأ مروعا من ذلك النوع " .

كان المساء قد بدأ يخيم على المدينة ، ليس يدري كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها ، مرتدا عن شارع الى شارع ، أما الآن فقد بات واضحا أنهم يدفعونه نحو الميناء ، فقد كانت الأزقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماما ، وكان إذ يحاول الاندفاع في أثرها ليتدبر أمر عودته الى بيته ، يزجرونه بعنف ، واحيانا بفوهات البنادق وأحيانا بحرابها.

كانت السماء نارا تتدفق بأصوات رصاص وقنابل وقصف بعيد وقريب ، وكأنما هذه الأصوات نفسها كانت تدفعهم نحو الميناء . ورغم أنه كان غير قادر على التركيز على أيما أمر معين ، إلا أنه رأى كيف بدأ الزحام يتكاثف مع كل خطوة . كان الناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلك الشارع الرئيسي المتجه الى الميناء ، رجالا ونساء وأطفالا ، يحملون أشياء صغيره أو لا يحملون ، يبكون أو يسبحون داخل ذلك الذهول الصارخ بصمت كسيح . وضاع بين أمواج البشر المتدفقه وفقد القدرة على التحكم بخطواته . إنه ما يزال يذكر كيف أنه كان يتجه نحو البحر وكأنه محمول وسط الزحام الباكي، المذهول ، غير قادر على التفكير في أي شيءء، وفي رأسه كان ثمة صورة واحده معلقة كأنما على جدار: زوجته صفية وابنه خلدون .

لقد مضت اللحظات بطيئة وقاسية وتبدو الآن مجرد كابوس ثقيل لا يصدق. اجتاز البوابة الحديدية للميناء حيث كان جنود بريطانيون يزجرون الناس، ومن هناك رأى أكوام البشر تتساقط فوق الزوارق الصغيرة المنتظرة في الماء قرب الرصيف ، ودون أن يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل ، قرر ألا يصل الى الزوارق وفجأة –كمن أصيب بالجنون ، او كمن عاد اليه عقله دفعة واحدة بعد جنون طويل – استدار وسط الزحام ، وأخذ يدافعه محاولا بكل ما فيه من قوة مستنزفة أن يشق طريقة وسطه ، عكسه ، نحو البوابة الحديدية .

مثل من يسبح ضد سيل هادر ينحدر من جبل شديد العلو أخذ سعيد يشق طريقة بكتفيه وذراعية وساقيه ورأسه . يجره التيار خطوات الى الوراء فيعود ويتقدم مندفعا بشيء من الوحشية مثل حيوان طريد يشق طريقا مستحيلا في دغل كثيف متشابك . وفوقه كان الدخان والعويل ودوي القنابل وزخات الرصاص تمتزج أصواتها بالصراخ وهدير البحر وزحف الخطوات الضائعة وضرب المجاذيف سطح الموج ...

هل حقا مضى على ذلك كله عشرون سنة؟.

كان العرق يتصبب باردا على جبين سعيد وهو يقود سيارته صاعدا المنحدر . لقد حسب أنتلك الذاكرة لن تعود بهذا الصخب المجنون الذي لم يكن لها إلا لحظات حدوثها. ومن طرفي عينيه نظر الى زوجته : كان وجهها مشدودا أميل الى الاصفرار وكانت عيناها تتدفقان بالدموع ، لا ريب أنها – قال لنفسه – تستعيد خطواتها ذلك اليوم ذاته ، حين كان هو أقرب ما يكون الى البحر ، وكانت هي أقرب ما تكون الى الجبل ، وبينهما يمد الرعب والضياع خيوطهما غير المرئية ، فوق مستنقع من الصراخ والخوف والمجهول .

كانت-كما قالت له أكثر من مرة في السنوات الماضية – تفكر به . وحين دوى الرصاص وانطلق الناس يقولون أن الانكليز واليهود أخذوا يكتسحون حيفا ، راودها خوف يائس.

كانت تفكر به ، عندما جاءت أصوات الحرب من وسط المدينة حيث تعرف أنه هناك . وكانت تشعر أنها أكثر أمنا ، فالتزمت البيت فترة، وحين طال غيابه ، هرعت الى الطريق دون أن تدري على وجه التحديد ما الذي كانت تريده . في البدء كانت تطل من الشباك ، ومن الشرفة . وكأنها شعرت الآن أن الأمر قد تغير تماما ، إذ بدأت النار تنهمر بغزارة ، بدءا من الظهر ، من التلال الواقعة فوق الحليصا . وأحست أنها محاصرة كليا ، وعندها فقط اخذت تعدو نازلة الدرج ، واندفعت على طول الطريق نحو الشارع الرئيسي، وكان استعجالها لرؤيته قادما يختصر خوفها عليه وقلقها من المصير المجهول الذي كان يحمل ألف احتمال مع كل رصاصة تطلق . وحين وصلت الى أول الطريق أخذت تراقب السيارات المندفعه بسرعة ، وقادتها خطواتها من سياره الى أخرى ، ومن رجل الى آخر ، تسأل دون أن تحصل على جواب. وفجأه رأت نفسها في موج الناس ، يدفعونها ، وهم يندفعون من شتى أرجاء المدينة ، في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده ، كانها محمولة على نهر متدفق مثل عود من القش.

كم مضى من الوقت قبل أن تتذكر أن خلدون الطفل ما زال في سريره في الحليصا؟

ليست تتذكر تماما ، ولكنها تعرف أن قوة لا تصدق سمرتها في الأرض ، فيما أخذالسيل الذي لا ينتهي من الناس يمر حولها ويتدافع على جانبي كتفيها وكأنها شجرة انبثقت فجأة في مجرى سيل هائل من الماء ، وارتدت هي الأخرى تدافع ذلك السيل بكل قوتها . وأمام عجزها وتعبها أخذت تصرخ بكل ما في حنجرتها من قوة . ولم تكن كلماتها الطائرة في ذلك الزحام الذي لا ينتهي لتصل الى أي أذن . لقد رددت كلمة " خلدون" ألف مرة ، مليون مرة، وظلت شهورا بعد ذلك تحمل في فمها صوتا مبحوحا مجروحا لا يكاد يسمع . وظلت كلمة " خلدون " نقطة واحدة لا غير ، تعوم ضائعة وسط ذلك التدفق اللانهائي من الاصوات والأسماء.

وكانت على وشك السقوط وسط الأقدام حين سمعت كمن يحلم صوتا ينبثق من الأرض ، ويناديها باسمها ، وحين رأت وجهه وراءها يتفصد بالعرق والغضب والارهاق أحست ذهول الفاجعه أكثر من أي وقت مضى ، واكتسحها حزن يشبه الطعنة التي ملأتها بطاقة من العزم لا حدود لها ، وقررت أن تعود بأي ثمن . ولربما أحست بأنها لن تستطيع الى الأبد النظر الى عيني سعيد ، او تركه يلمسها . وفي أعماقها شعرت أنها على وشك أن تفقد الاثنين معا : سعيد وخلدون ... فمضت تشق طريقها بكل ما في ذراعيها من قوة وسط الغاب الذي كان يسد في وجهها طريق العودة ، محاولة في الوقت نفسه أن تضيع سعيد ، الذي أخذ –دون أن يعي- ينادي صفية تارة ، وينادي خلدون تارة أخرى...

هلى مضت أجيال وأزمنة قبل أن تحس بكفيه القويتين المتيبستين تشدان على ذراعيها؟

وفجأة نظرت في عينيه ، وأحست بشيء يشبه الشلل يسقطها على كتفه لخرقة بالية لا قيمة لها ، وحولهما مضت سيول البشر تتقاذفهما من جهة الى أخرى ، وتدفعهما أمامها نحو الشاطئ ، ولكنهما لم يكونا ، بعد ، قادرين على الإحساس بأي شيء ، وفقط حين عومهما الرذاذ المتطاير من تحت خشب المجاديف ، ونظر الى الشاطئ حيث كانت حيفا تغيم وراء غبش المساء وغبش الدموع ....


طوال الطريق ، من رام الله الى القدس الى حيفا ظل يتحدث عن كل شيء ، لم يكف قط عن الحديث ، ولكنه حين وصل الى أول " بيت غاليم" ربط الصمت لسانه . وها هو الآن في " الحليصة " ، يسمع أصوات عجلات سيارته تسير مثلما كانت دائما . وكان النبض الصعب لقلبه المتوثب يضيعه بين الفينة والأخرى لقد تضاءلت عشرون سنة من الغياب ، وها هي الأمور تعود فجأة عودة لا تصدق ، وراء ظهر العقل والمنطق ... تراه عما يبحث؟

قبل أسبوع قالت له صفية ، وهما في منزلهما في رام الله :
-" إنهم يذهبون الى كل مكان ، ألا نذهب الى حيفا ؟ " .

وكان ، عندها ، يتناول عشاءه ، ورأى يده تقف تلقائيا بين الصحن وبين فمه . ونظر نحوها بعد برهة فرآها تستدير ، كي لا يقرأ شيئا في عينيها ، ثم قال لها :
-" نذهب الى حيفا ... لماذا؟".

وجاءه صوتها خافتا :
-" نرى بيتنا هناك . فقط نراه ".

وأعاد لقمته الى الصحن وقام فوقف أمامها . كان رأسها يتكىء على صدرها كمن يريد أن يعترف بذنب غير متوقع . فوضع أصابعه تحت ذقنها فإذا بعينيها تنضحان بدموع غزيرة ، فسألها بحنو:
-" صفية ... بماذا تفكرين ؟".

وهزت رأسها موافقة دون أن تقول شيئا ، فقد عرفت أنه يعرف ، وربما كان هو الآخر يفكر طوال الوقت بذلك وينتظرها أن تبادئ كي لا تشعر بأنها –كما كانت تشعر دائما- هي التي ارتكبت تلك الفجيعه التي شجرت في قلبيهما معا ، فهمس بصوت مبحوح :
-" خلدون؟".

واكتشف على التو أن ذلك الاسم ، لم يلفظ قط في تلك الغرفة منذ زمن طويل . وأنهما في المرات القليلة التي تحدثا عنه كانا يقولان " هو " ، بل أنهما تجنبا تسمية أي من أولادهما الثلاثة ذلك الاسم ، وأن كانا قد أطلقا على أكبرهما أسم " خالد" وعلى البنت التي أنجباها بعد ذلك بعام ونصف " خالدة " ، بل أن أولادهما لم يعرفا قط أن لهما أخا اسمه خلدون ، وهو نفسه ينادونه أبا خالد" ، وأصدقاءه القدامى اتفقوا على القول بأن خلدون قد مات . فكيف يمكن للأمور أن تندفع من الباب الخلفي على هذه الصورة الفريده ؟

وظل سعيد واقفا هناك وكأنه نائم في مكان بعيد ، إلا أنه التقط نفسه بعد هنيهة ، وأخذ يخطو عائدا الى طاولته ، وقبل أن يجلس قال لها :
-" أوهام يا صفية أوهام ! لا تتركي لنفسك أن تخدعك على هذه الصورة المحزنة . أنت تعرفين كم سألنا وكم حققنا ، وتعرفين قصص الصليب الأحمر ، ورجال الهدنة ، والأصدقاء الأجانب الذين بعثناهم الى هناك . لا ، لا أريد الذهاب الى حيفا ، إن ذلك ذل ، وهو إن كان ذلا واحدا لأهل حيفا فبالنسبة لي ولك هو ذلان ، لماذا نعذب أنفسنا؟".

وأخذ صوت نشيجها يعلو شيئا فشيئا ، ولكنها التزمت الصمت ، وأمضيا تلك الليلة دونما كلمة ، يستمعان معا الى أصوات الأحذية العسكرية تقرع الطرق ، والى الراديو يظل يعطي الأوامر.

وحين مضى الى فراشه كان يعرف –في أعماقه – أن لا فرار ، وأن الفكرة التي كانت هناك طوال عشرين سنة قد ولدت ، ولا سبيل الى دفنها من جديد . ورغم أنه كان يعرف أن زوجته لم تنم ، وأنها أمضت كل ذلك الليل تفكرفي الأمر نفسه ، إلا أنه لم يبادلها أية كلمة ، وفي الصباح قالت له بهدوء:
-" إذا أردت أن تذهب فخذني معك ، لا تحاول يا سعيد أن تذهب وحدك ".

إنه يعرف صفيه جيدا ، ويعرف أنها تدرك تماما كل فكرة تعبر رأسه . وهذه المره قاطعته وهو في منتصف الطريق ، فقد قرر في الليل أن يذهب وحده ، وها هي تكتشف قراره من تلقائها ، وتمنعه.
وظل الأمر كله معلقا في سقف أيامهما ولياليهما طوال أسبوع . يأكلانه مع طعامهما ويعلكانه وينامان معه ولكنهما لم يتكلما حوله أبدا ، وليله أمس فقط قال لها :

-" لنذهب غدا الى حيفا ، نتفرج عليها على الأقل ، وقد نمر قرب بيتنا هناك . أنا أعرف أنهم سيصدرون قريبا قرار يمنع ذلك كله . فحساباتهم لم تكن صحيحه ".

وصمت قليلا ، وليس يدري إن كان راغبا حقا في تغيير الموضوع ، إذ سمع نفسه يمضي في كلام آخر:

-" في القدس ونابلس وهنا يتحدث الناس كل يوم عن نتائج زياراتهم الى يافا وعكا وتل أبيب وحيفا وصفد وقرى الجليل والمثلث . كلهم يقولون كلاما متشابها ويبدو أن أفكار كل منهم كانت أحسن مما رأوا بأم أعينهم . جميعهم عادوا يحملون خيبة كبيرة . إن المعجزة التي يتحدث عنها اليهود لم تكن إلا وهما . في البلد هنا ردة فعل سيئه جدا ، وهو عكس ما أرادوه حين فتحوا حدودهم أمامنا . لذلك فأنا أتوقع يا صفية أن يلغوا ذلك القرار قريبا جدا ، وهكذا قلت لنفسي لماذا لا نقتنص الفرصة ونذهب؟ ".





وحين نظر إلى صفية رآها ترتجف ، وشهد وجهها يميل بوضوح للاصفرار ، فخرج من الغرفة ، إذ أحس هو الآخر بدموع حارقه تسد حلقه . ومنذ تلك اللحظة لم يكف اسم " خلدون" عن الدق في رأسه ، تماما مثلما كان قبل عشرين سنة حين سمعه يدق المرة تلو الأخرى فوق الزحام المتدفق أمام مياه الميناء الباكية. ولا شك أنه كان كذلك بالنسبة لصفية ، وقد تحدثا طوال الطريق عن كل شيء ، إلا عن خلدون . وقرب " بيت غاليم " فقط التزما الصمت ، وها هما الآن ينظران صامتين إلى الطريق التي يعرفانها جيدا والملتصقة في رأسيهما كقطع من لحمهما وعظامهما .

ومثلما كان يفعل قبل عشرين سنة تماما خفف سرعة سيارته إلى حدها الأدنى قبل أن يصل إلى ذلك المنعطف ، الذي كان يعرف أن سفحا صعبا يكمن وراءه . وانعطف بسيارته كما كان يفعل دائما وتسلق السفح محتفظا بالموقع الصحيح في الطريق الذي أخذ يضيق. وكانت أشجار السرو الثلاث التي تنحني قليلا فوق الشارع قد مدت أغصانا جديده ، ورغب أن يتوقف لحظه كي يقرأ على جذوعها أسماء محفورة منذ زمن ، ويكاد يتذكرها واحدا واحداً ، ولكنه لم يفعل . وليس يدري كيف حدث الأمر ، ولكنه بصورة ما تذكر حين مر قرب باب يعرفه ، شخصا من بيت الخوري كان يسكن هناك ، وكانت عائلته تمتلك بناية كبيرة جنوب طريق ستانتون ، قرب شارع الملوك . وفي تلك البناية -يوم الفرار - تمترس المقاتلون العرب وقاتلوا حتى آخر رصاصة وربما آخر رجل. وقد مر قرب تلك البناية حين كان يندفع نحو الميناء بقوة تفوقه مقدرة ، وتذكر الآن بالضبط أنه هناك ، وهناك فقط ، سقطت عليه الذاكرة كما لو أنه ضرب بحجر ، وهناك بالضبط تذكر خلدون وانقبض قلبه يومها ، قبل عشرين سنة ، وما زال، والآن يزداد نبضه قوة حتى كاد أن يسمعه.

وفجأة أطل المنزل ، المنزل ذاته ، ذلك الذي عاش فيه ، ثم عيشه في ذاكرته طويلا ، وها هو الآن يطل بمقدمة شرفاته المطلية باللون الأصفر.

ولوهلة خيل إليه أن صفيه ، شابه وذات شعر مجدل طويل ، ستطل عليه من هناك . كان حبلا جديدا للغسيل قد دق على وتدين خارج الشرفة ، وتدلت منه قطع بيضاء وحمراء لغسيل جديد . وفجأة أخذت صفيه تبكي بصوت مسموع ، أما هو فقد انحرف إلى اليمين ، وترك عجلات سيارته تصعد الرصيف الواطئ. ثم أوقف السيارة في المكان الذي لها ، كما كان يفعل -تماما- منذ عشرين سنة !

تردد "سعيد.س" هنيهة فقط وهو يطفئ محرك سيارته ، ولكنه كان يعرف في أعماقه أنه لو ترك نفسه يتردد فترة أطول لانتهى الأمر، ولعاد فحرك سيارته عائدا أدراجه . وهكذا جعل الأمر ، لنفسه ولزوجته ، يبدو طبيعيا للغاية. كما لو أن العشرين سنة الماضية وضعت بين مكبسين جبارين وسحقت حتى صارت ورقه شفافة لا تكاد ترى. نزل من السيارة وصفق وراءه بابها ، وأخذ يرفع حزامه وهو ينظر نحو الشرفة تاركا المفاتيح تخشخش في راحته دونما اكتراث.

ودارت زوجته حول السيارة ووقفت إلى جانبه ، إلا أنها لم تكن بارعة مثله. أمسك بذراعها ، وأخذ يقطع بها الشارع: الرصيف ، البوابة الحديدية الخضراء، الدرج.

وبدآ يصعدان ، دون أن يترك لنفسه أو لها فرصة النظر إلى الأشياء الصغيرة التي كان يعرف أنها ستخضه وتفقده اتزانه : الجرس ، ولاقطة الباب النحاسية ، وخربشات أقلام الرصاص على الحائط ،وصندوق الكهرباء ، والدرجة الرابعة المكسورة من وسطها ، وحاجز السلم المقوس الناعم الذي تنزلق عليه الكف، وشبابيك المصاطب ذات الحديد المتصالب ، والطابق الأول حيث كان يعيش محجوب السعدي ، وحيث كان الباب يظل مواربا دائما ، والأطفال يلعبون أمام الدار دائما ، ويملأون الدرج صراخا ، إلى الباب الخشبي المغلق ، المدهون حديثا ، والمغلق بإحكام .

وضع إصبعه على الدرج وهو يقول بصوت خافت لصفية :
-" غيروا الجرس" .
وسكت قليلا ثم تابع :
-" والاسم طبعا " .

واغتصب ابتسامة غبية ، وشد يده فوق يدها وأحس بها باردة ترتجف ، ووراء الباب سمعا صوت خطوات تجر نفسها ببطئ ، وقال لنفسه : " شخص عجوز بلا شك" ، وقرقع المزلاج بصوت مكتوم ، وببطء انفتح الباب.

" ها هي ذي " ، ليس يدري إن قال ذلك بصوت مسموع ، أو قاله لنفسه كمن يتنفس الصعداء. ولكنه ظل واقفا مكانه لا يعرف ماذا يتوجب عليه أن يقول . ولام نفسه لكونه لم يحضر جملة يبدأ بها رغم أنه فكر طويلا في أن لحظة كهذه لا بد آتيه ، وتكرك في مكانه ناظرا إلى صفية كمن يستنجد . فتقدمت أم خالد خطوة إلى الأمام وقالت :
-" هل نستطيع أن ندخل؟" .

ولم تفهم المرأة العجوز ، السمينة بعض الشيء ،والقصيرة ، والتي كانت تلبس ثوبا أزرق منقطا بكريات بيضاء. فأخذ سعيد يترجم إلى الإنكليزية ، وعندها انفرجت أسارير العجوز المتسائلة ، ووسعت من الطريق حتى دخلا ، ثم أخذت تسير أمامهما نحو غرفة الجلوس.

وتبعها سعيد وبجانبه صفية ، وبخطوات مترددة بطيئة ، وأخذا يميزان الأشياء بشيء من الدهشة . لقد بدا له المدخل أصغر قليلا مما تصوره وأكثر رطوبة واستطاع ان يرى أشياء كثيرة اعتبرها ذات يوم، وما يزال ، أشياءه الحميمة الخاصة التي تصورها دائما ملكية غامضة مقدسة لم يستطع أي كان أن يتعرف عليها أو أن يلمسها أو أن يراها حقا . ثمة صورة للقدس يتذكرها جيدا وما تزال معلقة حيث كانت ، حين كان يعيش هنا . وعلى الجدار المقابل سجادة شامية صغيرة كانت دائما هناك أيضا.

وأخذ يخطو ناظرا حواليه ، مكتشفا الأمور شيئا فشيئا ، أو دفعة واحدة ، كمن يصحو من إغماء طويل . وحين صارا في غرفة الجلوس ، استطاع أن يرى مقعدين من أصل خمسة مقاعد هما من الطقم الذي كان له . أما المقاعد الثلاثة الأخرى فقد كانت جديدة ، وبدت هناك فظة وغير متسقة مع الأثاث . وفي الوسط كانت الطاولة المرصعة بالصدف هي نفسها ، وإن كان لونها قد صار باهتا ، وفوقها استبدلت المزهرية الزجاجية بأخرى مصنوعة من الخشب ، وفيها تكومت أعواد من ريش الطاووس ، كان يعرف أنها سبعة أعواد . وحاول أن يعدها وهو جالس مكانه إلا أنه لم يستطع ، فقام واقترب من المزهرية وأخذ يعدها واحدة واحدة ، كانت خمسة فقط .

وحين استدار عائدا إلى مكانه ، رأى أن الستائر قد تغيرت ،وأن تلك التي اشتغلتها صفية ، قبل عشرين سنة ، بالصنارة ، من الخيوط السكرية اللون ، قد اختفت من هناك ، واستبدلت بستائر ذات خطوط زرقاء متطاولة .

ثم وقع بصره على صفية ، فرآها محتارة ، تنقب بعينيها في زوايا الغرفة وكأنها تعد الأشياء التي تفتقدها ، وكانت المرأة السمينة العجوز تجلس أمامهما على ذراع أحد المقاعد ، تنظر إليهما وهي تبتسم ابتسامة لا معنى لها ، وأخيراً قالت دون أن تجعل تلك الابتسامة تفر:

- "منذ زمن طويل وأنا أتوقعكما ".

كانت لغتها الإنجليزية بطيئة ، وذات لكنه أقرب إلى الألمانية ، وتبدو ، إذ تتلفظ بها ، كما لو أنها تنتشل كلماتها من بئر غبار سحيقة الغور .

وانحنى سعيد إلى الأمام وسألها :

- "هل تعرفين من نحن ؟ ".

- وهزت رأسها بالإيجاب عدة مرات لتزيد الأمر الأمر تأكيداً ، وفكرت قليلاً كي تنتقي كلماتها ، ثم قالت ببطء :

- " أنتما أصحاب هذا البيت ، وأنا أعرف ذلك".

- " كيف تعرفين ؟ ".

جاء السؤال من سعيد وصفية في وقت واحد .

وزادت العجوز في ابتسامتها . ثم قالت :

- " من كل شيء . من الصور ، من الطريقة التي وقفتما بها أمام الباب . والصحيح أنه منذ انتهت الحرب جاء الكثيرون إلى هنا وأخذوا ينظرون إلى البيوت ويدخلونها ، وكنت أقول كل يوم أنكما ستأتيان لا شك ".

وفجاءة بدت محتارة ، وأخذت تنظر حواليها ، إلى الأشياء الموزعة في الغرفة وكأنها تراها لأول مرة ، ودون أن يقصد أخذ سعيد ينظر إلى حيث تنظر ، وينقل بصرة حيث تنقل بصرها ، وفعلت " صفية " الشيء ذاته ، وقال سعيد لنفسه :
" يا للغرابة ! ثلاثة أزواج من العيون تنظر إلى شيء واحد … ثم كم تراه مختلفا ! " .

وسمع صوت العجوز ، وقد صار الآن خافتا وأشد بطئا:
-" أنا آسفة ، ولكن ذلك كان ما . لم أفكر قط بالأمر كما هو الآن ".

وابتسم سعيد بمرارة ، ولم يعرف كيف يقول لها أنه لم يأت من أجل هذا ، وأنه لن يشرع في نقاش سياسي ، وأنه يعرف ان لا ذنب لها.
" لا ذنب لها ؟"
لا ، ليس بالضبط ! كيف يشرح لها ذلك ؟

إلا أن صفية وفرت عليه همه ، إذ سألت بصوت بدا بريئا بصورة مريبة ، فيما أخذ هو يترجم :
-" من أين جئت؟".
-" من بولونيا".
-" متى ؟".
-" في سنة 1948 ".
-" متى بالضبط؟".
-" أول آذار ، 1948".

وخيم صمت ثقيل ، وأخذوا جميعا ينظرون إلى حيث لم يكن من المهم لهم أن ينظروا ، وقطع سعيد الصمت قائلا بهدوء:
-" طبعا نحن لم نجيء لنقول لك أخرجي من هنا ، ذلك يحتاج إلى حرب…."

وشدت " صفية " على يده ، كي لا يمضي في الحديث فانتبه ، وعاد يحاول الكلام مقتربا من الموضوع:
-" أقصد أن وجودك هنا ، في هذا البيت ، بيتنا نحن ، بيتنا أنا وصفية ، هو موضوع آخر، جئنا فقط ننظر إلى الأشياء، هذه الأشياء لنا ، ربما كان بوسعك أن تفهمي ذلك".
فقالت بسرعة :
-" أفهم ، ولكن …."

وفجأة فقد أعصابه :
-" نعم ، ولكن ! .. هذه ال " لكن " الرهيبة ، المميتة ، الدامية …."

وسكت تحت وطأة نظرات زوجته، وشعر بأنه لن ينجح أبدا في الوصول إلى مقصده. ثمة ارتطام قدري لا يصدق ، وغير قابل للتجاهل ، وهذا الذي يجري هو مجرد حوار مستحيل .

وللحظة رغب في أن يقوم ويمضي ، فلم يعد يهمه أيما شيء . ليكن خلدون ميتا ، أو حيا، لا فرق ، فحين تصل الأمور إلى هنا فليس ثمة ما يمكن أن يقال . وانتابه غضب مهيض ومر ، وأحس أنه على وشك ان يتفجر من الداخل .
وليس يدري كيف سقط نظره على تلك الريشات الخمس من ذيل الطاووس التي كانت مزروعة في الإناء الخشبي وسط الغرفة ، ورآها تتحرك بألوانها الفذة الرائعة ، التي لا تصدق مع هبوب نسمة من الهواء دخلت من النافذة المفتوحة . وفجأة سئل بفظاظة وهو يشير إلى المزهرية :

- " كان هنا سبع ريشات ، ماذا حدث للريشتين المفقودتين؟".

ونظرت العجوز إلى حيث أشار ، وعادت فنظرت إليه متسائلة ، وكان ما يزال يمد ذراعه باتجاه المزهرية ويحدق فيها مطالبا بالجواب ، وكان الكون كله يقف على رأس لسانها . نهضت من مكانها واقتربت نحو المزهرية وأمسكتها كما لو أنها تفعل ذلك لأول مرة ، ثم قالت ببطء:
-" لست أدري أين ذهبت الريشتان اللتان تتحدث عنهما ، ذلك شيء لا أستطيع أن أتذكره ، ربما كان (دوف) قد لعب بهما وضيعهما بعد ذلك حين كان صغيرا".

-" دوف؟؟".

قالاها معا ، سعيد وصفية ، ووقفا وكأن الأرض قذفتهما إلى فوق ، وأخذا متوترين ، ينظران نحوها ، فمضت تقول:
-" أجل دوف ، ولست أدري ماذا كان اسمه ، وإن كان يهمك الأمر، فهو يشبهك كثيرا…."



الآن ، بعد ساعتين من حديث متقطع ، يمكن إعادة ترتيب الأمور من جديد : إذا ماذا حدث في تلك الأيام القليلة التي امتدت بين ليل الأربعاء ، 21 نيسان 1948 حين غادر (سعيد س) حيفا على متن زورق بريطاني دفع إليه دفعاً مع زوجته ، وقذفه بعد ساعة على شاطئ عكا الفضي ، وبين يوم الخميس 29 نيسان 1948 ، حين فتح رجل من الهاغاناه ، معه رجل عجوز له وجه يشبه الدجاجة ، باب منزل (سعيد س) في الحليصة ، ووسع الطريق أمام ( إفرات كوشن ) وزوجته ، القادمين من بولونيا ، ليدخلا إلى ما صار منذ ذلك اليوم منزلهما المستأجر من دائرة أملاك الغائبين في حيفا .

لقد وصل ( افرات كوشن ) إلى حيفا ، برعاية الوكالة اليهودية ، قادماً إليها مع زوجته من ميناء ( ميلانو ) الإيطالي في وقت مبكر من شهر آذار . كان قد غادر وارسو مع قافلة صغيرة في أوائل تشرين الثاني من عام 1947 ، وأسكن في منزل مؤقت يقع في ضواحي ذلك المرفأ الإيطالي الذي كان آنذاك يضج بحركة غير عادية ، وفي أوائل آذار نقل بحراً مع عدد من الرجال والنساء إلى حيفا .

كانت أوراقه معدة تماماً ، وحملته شاحنة صغيرة مع أشيائه القليلة عبر الميناء الصاخب ، المليء بالجنود البريطانيين والعمال العرب والبضائع ، عبر شوارع حيفا المتوترة ، والتي كانت تدوي فيها طلقات نارية متقطعة بين الفينة والأخرى ، إلى الهادار ، حيث أسكن في غرفة صغيرة من بناء مزدحم بالسكان .

وتبين ل ( أفرات كوشن ) بعد فترة ، أن جميع الغرف في البناء يشغلها مهاجرون جدد ، ينتظرون هناك نقلهم إلى أمكنة أخرى فيما بعد ، وليس يدري إن كانوا قد أطلقوا عليه اسم ( نزل المهاجرين ) وهم يلتقون كل ليلة لتناول العشاء ، أم أن ذلك الاسم كان معروفاً قبلهم ، وأنهم استعملوه فقط .

وربما كان قد نظر عدة مرات ، من شرفته إلى ( الحليصة )، إلا أنه لم يكن يعرف على الإطلاق ، أو حتى يخمن ، أنه سيجري إسكان هناك . وفي الواقع فإنه كان يعتقد أنه حينما تسوى الأمور فسينقل إلى بيت ريفي هادئ على سفح تله ما في الجليل : كان قد قرأ قصة ( لصوص في الليل ) لآرثر كوستلر حين كان في ميلان ، أعاره إياها رجل قادم من بريطانيا ليشرف على عملية التهجير ، وعاش فترة من الزمن في تلك التلال الجليلة التي جعلها ( كوستلر ) مسرحاً لروايته . وفي الحقيقة فإنه لم يكن ليعرف الكثير آنذاك عن فلسطين . وبالنسبة له كانت مجرد مسرح ملائم لأسطورة قديمة ، ما يزال يحتفظ بنفس الديكور الذي كان يراه مرسوماً في الكتب الدينية المسيحية الملونة المخصصة لقراءة الأطفال في أوروبا. إلا أنه بالطبع لم يكن يصدق تماماً أن تلك الأرض كانت مجرد صحراء أعادت الوكالة اليهودية اكتشافها بعد ألفي سنة . ومع ذلك فلم يكن هذا هو أكثر ما كان يهمه آنذاك ، وقد وضع في ذلك النزل ،وكان هناك شيء اسمه الإنتظار ، وقد اعتنقه هماً يومياً مثلما فعل بقية أولئك الذين كانوا معه .

وربما لأنه سمع أصوات الرصاص منذ أن خرج من ميناء حيفا في نهاية أول أسبوع من آذار 1948 ، فإنه لم يفكر كثيراً في أن شيئاً مرعباً كان يحدث آنذاك ، وهو - على كل حال - لم يقابل شخصاً عربياً في حياته كلها ، بل إنه صادف أول عربي في حيفا نفسها بعد إحتلالها بحوالي عام ونصف العام . وقد جعله ذلك الأمر يحتفظ طوال الأيام الحرجة بصورة فريدة وغامضة عما كان يجري حقاً . صورة أسطورية جاءت ملائمة تماماً لما كان يتصوره في وارسو وفي ميلان طوال 25 سنة من عمره ، ولذلك كانت المعارك التي يسمع أصواتها ثم يقرأ أخبارها في "بالستاين بوست" كل صباح ، إنما تجري بين بشر وبين أشباح ، ليس إلا .

أين كان بالضبط يوم الأربعاء 21 نيسان 1948 ، في الوقت الذي كان " سعيد س." ضائعاً بين " شارع اللنبي " و" حارة حلول " وكانت زوجته " صفية " تندفع من " الحليصة " نزولاً على حافة المركز التجاري باتجاه شارع ستانتون ؟.

لم يعد من الممكن الآن تذكر الأمر تماماً ، بتفاصيله ، ومع ذلك فإنه يذكر أن الهجوم الذي بدأ صباح الأربعاء ظل مستمراً حتى ليل الخميس ، وصباح الجمعة فقط ، 23 نيسان 1948 ، تأكد تماماً أن الأمر في حيفا قد انتهى ، وأن الهاغانا سيطرت على الموقف كلياً . وهو لم يعرف بالضبط ماذا حدث على وجه الدقة : لقد بدا القصف من الهادار ، وتكومت التفاصيل لديه من الراديو ومن أخبار القادمين بين الفينة والأخرى ممتزجة بصورة تستعصي على الاستيعاب . إلا أنه كان يعلم أن الهجوم الشامل الذي بدأ صباح الأربعاء قد انطلق من ثلاثة مراكز وأن الكولونيل " موشيه كارماتيل " كان يضع يده في تلك اللحظة على ثلاث كتائب يحركها من هادار هاكرمل ومن المركز التجاري ، وأن واحدة من هذه الكتائب كان عليها أن تكتسح الحليصة ، فالجسر ، فوادي رشميا نحو المرفأ . في حين تضغط كتيبة أخرى من المركز التجاري لحصر الهاربين في ممر ضيق ينتهي إلى البحر . ولم يكن "ايفرات" يعرف على وجه التحديد مواقع هذه الأمكنة التي حفظ أسماءها من فرط التكرار . وقد كان ثمة ارتباط ما بين كلمة " ارغون " وكلمة " وادي النسناس"، مما جعله يفهم أن العصابة تلك كانت مكلفة بالهجوم هناك .

ولم يكن " أفرات كوشن " بحاجة إلى من يؤكد له أن الإنجليز مهتمون بتسليم حيفا للهاغاناه ، فقد كان بوسعه معرفة أنهم كانوا وما زالوا يقومون بدوريات مشتركة ، وقد رأى ذلك بنفسه مرتين أو ثلاث مرات . ولا يذكر الآن كيف حصل على معلوماته عن دور البريجادير ستوكويل ، ألا أن ذلك بالنسبة له كان مؤكدا ، وكان الهمس يدور في كل زاوية من " نزل المهاجرين " أن البريجادير ستوكويل إنما يرمى بثقله مع الهاغاناه ، وأنه في الحقيقة كتم الخبر عن موعد انسحابه ولم يسر به إلا للهاغاناه . فأعطاهم بذلك عنصر المفاجأة في اللحظة المناسبة ، وذلك في وقت كان يحسب فيه العرب أن تخلي الجيش البريطاني عن السلطة إنما سيتم في وقت لاحق.

وطل طوال يومي الأربعاء والخميس في ( النزل ) ، وكانوا كلهم قد تلقوا التعليمات بألا يغادروا المكان . ويوم الجمعة بدأ بعضهم يخرجون ،إلا أنه لم يخرج من النزل حتى صباح السبت . وأدهشه للوهلة الأولى أنه لم يجد سيارة ، لقد كان سبتا يهوديا حقيقيا . وابتعث ذلك شيئا من الدموع في عينيه لسبب لا يستطيع تفسيره. وحين رأته زوجته كذلك فوجئ بها تقول له - والدموع في عينيها- :
-" إنني أبكي لشيء آخر، إنه سبت حقيقي، ولكن لم يعد ثمة جمعه حقيقية هنا، ولا أحد حقيقي."

ذلك كان مجرد البداية ، فللمرة الأولى منذ جاء زوجته أمامه باختصار شيئا مقلقا لم يكن يحسب حسابه ولم يفكر فيه. وفجأة أخذت آثار الدمار ، التي بدأ يلاحظها ، شكلا جديدا ومعنى آخر ، ولكنه رفض بينه وبين نفسه أن يجعل من ذلك مبعثا جادا للقلق ، أو حتى للتفكير.

على أن الأمر لم يكن كذلك لميريام ، زوجته ، إذا أنها تغيرت تماما ذلك اليوم ، وجاء التغير حين شهدت ، وهي تدور قرب كنيسة بيت لحم في الهادار . شابان من الهاغانه يحملان شيئا ويضعانه قي شاحنه صغيره كانت واقفه هناك ، واستطاعت في لحظة كانخطاف البصر أن ترى ما يحملانه ، فأمسكت بذراع زوجها وصاحت وهي ترتجف:
-" أنظر!"

إلا أن زوجها حين نظر حيث كانت تشير ، لم يرى شيئا ، كان الشابان يمسحان كفيهما على طرفي قميصيهما الخاكيين ، وقالت زوجته :
" كان طفلا عربيا ميتا ، وقد رأيته مكسوا بالدم ".

وأخذها زوجها إلى الرصيف الآخر وسألها :
-" كيف عرفت أنه طفل عربي؟"
-" ألم تر كيف ألقوه في الشاحنة كأنه حطبه ؟ لو كان يهوديا لما فعلوا ذلك".

وأراد أن يسألها لماذا ، إلا أنه لحظ وجهها وصمت .

كانت " ميريام" قد فقدت والدها في " أوشفيتز" قبل ذلك بثماني سنوات . وقبل ذلك ، حين دهموا المنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها ، ولم يكن عند ذاك فيه ، التجأت إلى جيران كانوا يسكنون فوق منزلها . ولم يجد الجنود الألمان أحداً ، الا انهم في طريق نزولهم على السلم صادفوا أخاها الصغير قادما إليها ، كان عمره عشر سنوات ، وقد جاء آنذاك ليخبرها -أغلب الظن - أن والها قد سيق إلى المعتقل وأنه الآن صار وحده . إلا أنه حين رأى الجنود الألمان استدار وأخذ يعدو هاربا . وقد استطاعت أن ترى ذلك عبر تلك الكوة الضيقة التي تتيحها المسافه الصغيرة المتروكة بين مجموعة السلالم ومن هناك شهدت كيف أطلق عليه الرصاص.


وحين عاد " إيفرات كوشن" مع ميريام إلى نزل المهاجرين كانت " ميريام" قد قررت العودة إلى إيطاليا . ولكنها لم تفلح طوال تلك الليلة ، ولا في الأيام القليلة التي أعقبت ذلك اليوم ، في إقناع زوجها بذلك ، وكانت دائما تخسر النقاش بسرعة ، ولا تستطيع إيجاد الكلمات التي تعبر عن رأيها ، وتشرح حقيقة دوافعها .

ألا أن الأمور عادت فتغيرت بعد ذلك بأسبوع واحد ، فقد عاد زوجها من زيارة لمكتب الوكالة اليهودية في حيفا بخبرين مفرحين: لقد أعطي بيتا في حيفا نفسها، وأعطي مع البيت طفلا عمره خمسة شهور!

مساء يوم الخميس ، 22 نيسان 1948 ، سمعت " تورا زونشتاين " المرأة التي كانت تسكن مع ابنها الصغير بعد أن طلقها زوجها ، في الطابق الثالث ، بالضبط فوق بيت " سعيد.س" ، صوت بكاء طفل واهن منطلق من الطابق الثاني.

ورغم أنها لم تصدق في بادئ الأمر ما ذهبت إليه أفكارها ، الا أنها تحركت من مكانها بعد أن استطال البكاء الواهن ، ونزلت إلى الطابق الثاني وأخذت تقرع الباب.
واخيرا اضطرت إلى تحطيم الباب، وكان الطفل في سريره منهكا تماما ، فحملته إلى بيتها .

كانت تورا تحسب أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه بعد فترة وجيزة . إلا أن ذلك الحسبان ما لبث أن سقط بعد يومين اثنين ، حين اكتشفت أن الأمر يختلف تماما عما كانت تحسب . ولم يكن من المعقول الاستمرار بالاحتفاظ بالصبي، فحملته إلى الوكالة اليهودية في حيفا وهي تتصور أن شيئا ما يمكن أن يقام به لحل تلك المشكلة .

وهكذا فقد كان من حظ " ايفرات كوشين" أن جاء بعد ذلك بفترة وجيزة إلى مكتب الوكالة اليهودية ، وحين تبين المسؤولون هناك من أوراقه انه لم ينجب أولادا ، عرضوا عليه بيتا في حيفا نفسها ، كامتياز خاص ، إن هو قبل بتبني الطفل.

ولم يكن هذا العرض الا مفاجئة مدهشة لايفرات ، الذي كان يتحرق لتبني طفل بعد أن تأكد كليا من أن ميريام غير قادرة على الإنجاب . بل أنه مضى إلى حد اعتبار الأمر كله بمثابة هبة إلهية لا تكاد تصدق تأتي بخيراتها دفعه واحدة . إذ لا شك أن طفلا يعطى لميريام سيجعلها تتغير تماما ، وتكف عن ذلك الشيء الغريب الذي بات ينتاب أفكارها منذ رأت ذلك الطفل العربي القتيل يلقى في شاحنة الموت كقطعة خشب رخيصة .

وكان ذلك اليوم يوم خميس، الثلاثين من نيسان 1948 ، عندما دخل أفرات كوشين وزوجته ميريام برفقة موظف من الوكالة اليهودية له وجه يشبه الدجاجة ، ويحمل طفلا عمره خمسة شهور ، إلى بيت سعيد س. في الحليصة .


أما سعيد س. وصفية فقد كانا في ذلك اليوم بالضبط يبكيان معا ، بعد أن عاد سعيد للمرة الثالثة فاشلا ، عاجزا عن الدخول إلى حيفا ، لينام بعد قليل مرهقا ممزقا شبه غائب عن الوعي من فرط التعب ، في الغرفة التي كانت صفا سادسا بمدرسة المعارف الثانوية ، مقابل جدار السور الذي يحمي سجن عكا الشهير ، على شاطئ البحر الغربي.

ولم يتناول سعيد س. قهوة ميريام ، واكتفت صفية برشفة واحدة ، تناولت معها قطعة من البسكوت المعلب كانت ميريام قد وضعته ، دون أن تكف عن الابتسام ، أمامهما .

وظل سعيد س. ينظر حواليه وقد تضاعفت حيرته بعد أن أستمع إلى قصة ميريام نتفة وراء الأخرى ، طوال زمن بدا له طويلا ، ولفترة ما ظلا ، صفية وهو ، جالسين على مقعديهما كأنما سمرا هناك ، ينتظران شيئا مجهولا لا قدرة لهما على تصوره .

ومضت ميريام تذهب وتجيء . وحين كانت تغيب وراء الباب كانا يوصلان الاستماع إلى خطواتها البطيئة تجر نفسها جرا على البلاط ، بل كان بوسع صفية حين تغمض عينيها قليلا أن تتصور بالضبط كيف كانت ميريام تعبر الممر المؤدي إلى المطبخ ، وعن يمينها كانت غرفة النوم ، ومرة واحدة فقط سمعت اصطفاق الباب ، فنظرت نحو زوجها وقالت له بمرارة : -" كأنها تتصرف في بيتها ! تتصرف وكأنه بيتها !"

وابتسما بصمت ، وعاد يشد راحتيه على بعضهما بين ركبتيه دون أن يستطيع التوصل إلى قرار ، وأخيرا جاءت ميريام ، فسألها :
-" ومتى سيحضر ؟"
-" وقت أوبته الآن ، ولكنه قد يتأخر قليلا . لم يلتزم طوال عمره بموعد لعودته إلى البيت ، إنه مثل أبيه تماما …. كان …"

وصمتت وهي تعض قليلا على شفتيها وتنظر نحو سعيد الذي أحس ببدنه يرتجف للحظة وكأن تيارا كهربائيا مسه . "مثل أبيه !" وفجاءة سأل نفسه : " ما هي الأبوة ؟" وكان مثل من فتح مصراعي شباك إعصار غير متوقع . فأخذ رأسه بين راحتيه وحاول أن يوقف ذلك الدوران المجنون للسؤال الذي كان كامنا في مكان ما من عقله طوال عشرين سنة ، دون أن يجرؤ على مواجهته ، أما صفية فقد أخذت تربت على كتفه ، لقد فهمت بصورة غريبة >لك الارتطام الذي لا يصدق ، والذي يمكن للكلمات أحيانا أن تفعله على حين فجأة ، ثم قالت:
-" أنظر من الذي يتحدث ! إنها تقول (مثل أبيه)! وكأن لخلدون أبا غيرك !".

إلا أن ميريام تقدمت الى الأمام ، ووقفت معدة نفسها لتقول شيئا صعبا . ثم ببطء أخذت تنتزع تلك الكلمات التي تبدو وكأن يدا ما تنتشلها من أعماق بئر محشو بالغبار :
-" إسمع يا سيد سعيد . أريد أن أقول لك شيئا مهما ولذلك أردتك أن تنتظر دوف ، أو خلدون إن شئت ، كي تتحدثا . وكي ينتهي الأمر كما تريد له الطبيعة أن ينتهي ، أتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك ؟ طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة ، والآن دعنا ننتهي من كل شيء . أنا أعرف أبوه ، وأعرف أيضا أنه ابننا ، ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه ، لندعه يختار . لقد أصبح شابا راشدا ، وعلينا نحن الإثنين أن نعترف بأنه هو وحده صاحب الحق في أن يختار ... أتوافق؟".

وقام سعيد عن مقعده واخذ يدور في انحاء الغرفة ثم وقف امام الطاولة المنقوشة بالصدف وسط الغرفة واخذ ، مرة أخرى ، يعد ريشات الطاووس في المزهرية الخشبية الجاثمة هناك ، الا انه لم يقل شيئاً . وظل صامتاً كأنه لم يسمع حرفاً . وكانت ميريام تنظر اليه متحفزة ، واخيراً التفت الى صفية وشرح لها ما قالته ميريام ، فقامت من مكانها ووقفت الى جانبه ، ثم قالت بصوت مرتجف:

- "ذلك خيار عادل ... وانا واثقة ان خلدون سيختار والديه الحقيقيين . لا يمكن ان يتنكر لنداء الدم واللحم ".

وفجأة أخذ سعيد يضحك بكل قوته ، وكانت ضحكته تعبق بمرارة عميقة تشبه الخيبة :

- " أي خلدون يا صفية ؟ أي خلدون ؟ اي لحم ودم تتحدثين عنهما ؟ وأنت تقولين أنه خيار عادل ! لقد علموه عشرين سنه كيف يكون . يوماً يوماً ، ساعة ساعة ، مع الاكل والشرب والفراش .. ثم تقولين : خيار عادل ! ان خلدون ، أو دوف ، أو الشيطان ان شئت ، لا يعرفنا! أتريدين رأيي ؟ لنخرج من هنا ولنعد الى الماضي . انتهى الامر . سرقوه".

ونظر نحو صفية التي تهاوت في مقعدها وقد تلقت للمرة الاولى حقيقة الامر دفعة واحدة ، وبدأ لها كلام زوجها صحيحاً تماماً ، الا انها ظلت تحاول التعلق بخيوط غير مرئية لامال بنتها في وهمها عشرين سنة كنوع من الرشوة . وعاد زوجها يقول لها :

- "ربما كان لا يعرف على الاطلاق انه ولد من أبوين عربيين .. ربما عرف ذلك قبل شهر ، او اسبوع ، او سنة .. فماذا تعتقدين؟ انه مخدوع ، وقد يكون اكثر حماساً لها منهم .. لقد بدأت الجريمة قبل عشرين سنة ، ولا بد من دفع الثمن .. بدأت يوم تركناه هنا".

- "ولكننا لم نتركه. انت تعرف".

- "بلى. كان علينا الا نترك شيئاً . خلدون ، والمنزل، وحيفا! ألم ينتابك ذلك الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا اسوق سيارتي في شوارع حيفا؟ كنت اشعر انني اعرفها وانها تنكرني. وجاءني الشعور ذاته وانا في البيت، هنا . هذا بيتنا! هل تتصورين ذلك؟ انه ينكرنا! . الا ينتابك هذا الشعور! انني اعتقد ان الامر نفسه سيحدث مع خلدون وسترين!".

وأخذت صفية تنشج ببؤس ، فيما مضت ميريام الى الخارج تاركة الغرفة التي ملأها فجأة توتر محسوس . وشعر سعيد بأن جميع الجدران التي عيش نفسه طوال عشرين سنة داخلها تكسرت وصار بوسعه ان يرى الاشياء اكثر وضوحاً وانتظر لحظات حتى خف نشيج صفية ، فاستدار نحوها وسألها :

- " اتعرفين ما حدث لفارس اللبدة ؟".
- " ابن اللبدة اياه؟ جارنا؟".

- " اجل ، جارنا في رام الله الذي سافر الى الكويت . اتعرفين ماذل حدث له حين زار قبل اسبوع واحد منزله في يافا؟".

- "هل ذهب الى يافا؟".

- "اجل. قبل اسبوع كما اعتقد، وقد استأجر سيارة من القدس اخذنه الى يافا . توجه فوراً الى العجمي ، كان يسكن قبل عشرين سنة في بيت من طابقين وراء المدرسة الارثودكسية في العجمي . تذكرين المدرسة؟ انها وراء مدرسة الفرير ، وانت ذاهبة الى الجبلية ، الى اليسار وبعدها بمئتي متر مدرسة الارثوذكس على اليمين ، ولها ملعب كبير ، وبعد الملعب يوجد مفرق ، وفي منتصف الزقاق كان فارس اللبدة يسكن مع عائلته. كان يغلي غضباً يومها، فأمر السائق بالوقوف امام المنزل وصعد السلم درجتين درجتين ودق على باب منزله"..

كان الوقت عصراً ، وكانت يافا – فيما عدا المنشية - ما زالت على حالها، كما كان فارس اللبدة يعرفها قبل عشرين سنة . وشعر ان اللحظات القليلة التي مضت بين قرع الباب وبين سماعه لخطوات رجل قادم ليفتحه قد امتدت دهوراً من الغضب والحزن العاجز الكسيح. واخيراً انفتح الباب ، ومد الرجل الطويل القامة ، الاسمر والذي كان يلبس قميصاً ابيض مفتوح الازرار، مد يده ليصافح القادم الذي لا يعرفه . الا ان فارس تجاهل الراحة الممدودة ، وقال بالهدوء الذي يحمل كل معنى الغضب :
- "جئت القي نظرة على بيتي . هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي انا، ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي ذات يوم بقوة السلاح . تستطيع ان شئت ، ان تطلق علي الرصاص هذه اللحظة، ولكنه بيتي، وقد انتظرت عشرين سنة لاعود اليه .. واذا...".

واخذ الرجل الواقف على عتبة الباب ، والذي كان ما يزال يمد راحته ، يضحك بقوة مقترباً من فارس اللبدة حتى صار امامه مباشرة ، وعندها تقدم بذراعين مفتوحتين نحوه واحتضنه..

- "لا حاجة لتصب غضبك علي ، فأنا عربي ايضاً وبافاوي مثلك، واعرفك. فأنت ابن اللبدة .. ادخل لنشرب القهوة!".

ودخل فارس مشدوهاً ، يكاد لا يصدق . وقد كان البيت هو نفسه ، بأثاثه وترتيبه والوان جدرانه واشيائه التي يذكرها جيداً . واقتاده الرجل نحو غرفة الجلوس دون ان يقدر على اخفاء ابتسامته العريضة وحين فتح بابها وطلب منه الدخول ، وقف فارس مسمراً ثم أخذت الدموع –فجأة- تظفر من عينيه!

كانت غرفة الجلوس على حالها ، كأنه تركها ذلك الصباح، تعبق فيها. نفس الرائحة التي كانت لها، رائحة البحر التي كانت دائماً تثير في راسه دوامات من عوالم مجهولة معدة للاقتحام والتحدي، ولكن ذلك لم يكن الشيء الذي سمره في مكانه ، فعلى الجدار المقابل ، المطلي بلون ابيض متوهج ، كانت صورة اخيه بدر ما تزال معلقة، وحدها في الغرفة كلها، وكان الشريط الاسود العريض الذي يمتد في زاويتها اليمنى ما زال كما كان.

وفجأة تدفق في الغرفة جو الحداد الذي كان ، واخذت الدموع تكر على وجنتي فارس وهو واقف هناك . تلك ايام قديمة ، الا انها تدفقت الان كأن البوابات التي كانت تحبسها قد انفتحت على مصاريعها:

كان اخوه بدر اول من حمل السلاح في منطقة العجمي في الاسبوع الاول من كانون الاول عام 1947 ، ومنذ ذاك تحول المنزل الى ملتقى للشبان الذين كانوا يملؤون ملعب الارثوذكسية انذاك بعد ظهر كل يوم. اما الان فقد تغير كل شيء، وانخرط بدر في القتال ، كأنه كان ينتظر ذلك اليوم منذ طفولته ، وفي السادس من نيسان عام 1948 جيء ببدر الى الدار محمولاً على اكتاف رفاقه، كان مسدسه ما زال في وسطه، اما بندقيته فقد تمزقت مع جسده بقذيفة تلقاها وهو على طريق تل الريش . وشيعت العجمي جثمان بدر كما يتوجب على الرفاق ان يشيعوا الشهيد. ثم جيء بصورته مكبرة ، وذهب رفيق من رفاقه الى شارع اسكندر عوض حيث كتب خطاط هناك كان اسمه ((قطب)) يافطة صغيرة تقول ان بدر اللبدة استشهد في سبيل تحرير الوطن . وحمل طفل ما تلك اليافطة في مقدمة الجنازة وحمل طفلان صورته ، وفي المساء اعيدت الصورة الي البيت ، وربط شريط الحداد الاسود على زاويتها اليمنى .

انه ما زال يذكر كيف رفعت امه كل الصور التي كانت معلقة على جدران غرفة الجلوس، وعلقت صورة بدر على الجدار الذي يقابل الباب. ومنذ تلك اللحظة فاحت في الغرفة رائحة الحداد الحزين ، وظل الناس يأتون فيجلسون في الغرفة وينظرون الى الصورة ويقدمون التعازي.

كان فارس، من المكان الذي يقف فيه، يستطيع ان يرى المسامير التي كانت تحمل صوراً اخرى قبل عشرين سنة تطل برؤوسها من الجدران العارية. وبدت له كأنها رجال يقفون بالانتظار ، امام تلك الصورة الكبيرة لاخيه الشهيد ، بدر اللبدة ، معلقة وحدها ، متشحة بالسواد، في صدر الغرفة .

وقال الرجل لفارس:

- "ادخل . اجلس في الداخل . دعنا نتحدث قليلاً . لقد انتظرناكم طويلاً ، وكنا نريد ان نراكم في مناسبة غير هذه ".

ودخل فارس ، كأنه يمشي عبر حلم لا يصدق ، وجلس في مقعد يواجه صورة شقيقه . تلك هي المرة الاولى التي يرى فيها صورة اخيه بدر منذ عشرين سنة ، فحين خرجـوا من يافا ( حملتهم الزوارق من منطقة تقع الى الشمال من شط الشباب، واتجهت نحو غزة ، الا ان اباه عاد فهاجر الى الاردن) لم يحملوا شيئاً معهم، ولا حتى صورة صغيرة لبدر الذي ظل هناك .

ولم يستطيع فارس ان ينطق الا بعد ان دخل طفلان الى الغرفة ، واخذا يركضان بين المقاعد ، ثم خرجا صاخبين كما دخلا، وقال الرجل:
- "انهما سعد وبدر . ابناي".
_ "بدر"؟
- "اجل سميناه على اسم اخيك الشهيد"..
- "والصورة؟".

ووقف الرجل وقد تغير وجهه ، ثم قال:
- "أنا من يافا . من سكان المنشية . وفي حرب 1948 هدمت قنابل المورتر بيتي. لست اريد ان اروي لك الان كيف سقطت يافا. وكيف انسحبوا ، اولئك الذين جاؤوا لينجدونا، لحظة المأزق. ذلك شيء راح الان.. المهم انني حين عدت مع المقاتلين الى المدينة المهجورة اعتقلونا. وامضيت فترة طويلة في المعتقل . ثم حين اطلقوني رفضت ان اغادر يافا، وقد عثرت على هذا البيت ، واستأجرته من الحكومة."

- "والصورة؟".

- "حين جئت الى البيت كانت الصورة اول شيء شاهدته وربما كنت استأجرت البيت بسببها . ذلك شيء معقد ولا استطيع ان اشرحه لك ، ولكن حين احتلوا يافا كانت مدينة شبه فارغة ، وبعد ان خرجت من السجن شعرت بأني محاصر . لم اشهد عربياً واحداً هنا . كنت وحدي جزيرة صغيرة معزولة في بحر مصطخب من العداء. ذلك العذاب لم تجربه انت، ولكن انا عشته.

وحين شهدت الصورة وجدت فيها سلوى . وجدت فيها رفيقاً يخاطبني ويتحادث الي يذكرني بأمور اعتز بها واعتبرها اروع ما في حياتنا . قررت عندها استئجار البيت، ففي ذلك الوقت – تماماً كما هو الامر الان- يبدو لي ان يكون الانسان مع رفيق له حمل السلاح ومات في سبيل الوطن شيئاً ثميناً لا يمكن الاستغناء عنه. ربما كان نوعاً من الوفاء لاولئك الذين قاتلوا . كنت اشعر انني لو تركته لكنت ارتكبت خيانة لا اغتفرها لنفسي . لقد ساعدني ذلك ليس على الرفض فقط، ولكن البقاء .. هكذا ظلت الصورة هنا . ظلت جزءاً من حياتنا ، انا وزوجتي لمياء وابني بدر وابني سعد وهو ... اخوك بدر ، عائلة واحدة ، عشنا عشرين سنة معاً . كان شيئاً مهماً بالنسبة لنا...".

وظل فارس حتى منتصف الليل جالساً هناك، ينظر الى شقيقه بدر يبتسم في الصورة ، مليئاً بالشباب والعنفوان ، تحت ذلك الوشاح الاسود ، كما كان يفعل طوال عشرين سنة ، وحين قام ليعود سأل ان كان يستطيع استرداد الصورة ، وقال الرجل:
- "طبعاً تستطيع . انه شقيقك بعد كل شيء وقبل اي شيء اخر".

وقام فأنزل الصورة عن الجدار ، وبدا المكان الذي خلفته الصورة وراءها مستطيلاً باهتاً من البياض الذي لا معنى له ، والذي يشبه فراغاُ مقلقاً .

وحمل فارس الصورة معه الى السيارة ، وعاد الى رام الله وكان طوال الطريق ينظر اليها متكئة الى جانبه على المقعد ، ويطل منها بدر وهو يبتسم تلك الابتسامة الشابة المشرقة، وقد ظل يفعل ذلك حتى اجتاز القدس ، وصار على الطريق المتجه نحو رام الله ، وعندها فقط انتابه شعور مفاجيء بأنه لا يملك الحق في الاحتفاظ بتلك الصورة ، ولم يستطيع ان يفسر الامر لنفسه، الا انه طلب من السائق العودة الى يافا ، ووصلها في الصباح .

صعد السلم مرة اخرى بخطى بطيئة وقرع الباب وقال له الرجل وهو يتناول الصورة منه :

- "شعرت بفراغ مروع حين نظرت الى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط . وقد بكت زوجتي ، واصيب طفلاي بذهول ادهشني . لقد ندمت لانني سمحت لك باسترداد الصورة ، ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن . عشنا معه وعاش معنا وصار جزءاً منا . وفي الليل قلت لزوجتي انه كان يتعين عليكم ، ان اردتم استرداده ، ان تستردوا البيت ، ويافا ، ونحن ... الصورة لا تحل مشكلتكم ، ولكنها بالنسبة لنا جسركم الينا وجسرنا اليكم" .
وعاد فارس وحده الى رام الله ، وقال سعيد س . لزوجته:
- "فارس اللبدة ، لو تعرفين ..".

وهمس بصوت لا يكاد يسمع :
- "انه يحمل السلاح الان".


وعلى الطريق هدر صوت محرك ، ودخلت ميريام الى الغرفة ووجهها يعلوه اصفرار مفاجيء ، كانت الساعة قد قاربت منتصف الليل ، وتقدمت العجوز القصيرة بخطى بطيئة نحو النافذة ، فأزاحت الستائر برفق ، ثم اعلنت بصوت مرتجف :

- " ها هو دوف . لقد جاء!".

جاءت الخطوات على الدرج شابة ، ولكنها متعبة ، وتتبعها (سعيد س.) واحدة بعد الاخرى وهي تصعد السلم منذ ان استمع ، واعصابه مشدودة ، الى صوت البوابة الحديدية تصطفق ثم تنغلق بالمزلاج.

وامتدت اللحظات طويلة يكاد صمتها يضج بطنين جنوني لا يحتمل . ثم سمع صوت المفتاح يعالج الباب ، وعندها فقط نظر نحو ميريام ورأى – للمرة الاولى – انها جالسة هناك ، مصفرة الوجه وترتجف . ولم يكن لديه مقدار من الشجاعة يكفى للنظر الى صفية ، فثبت عينيه ناحية الباب مستشعراً العرق يتفصد بقوة من جميع خلايا جسده دفعة واحدة .

وكانت اصوات الخطوات في الممر مكتومة ومحتارة بعض الشيء ، ثم جاء صوت متردد ، نصف عال ، ينادي : "ماما".

وارتجفت ميريام قليلاً ، وأخذت تفرك راحتيها ، فيما استمع سعيد س. الى زوجته ، تشرق بدمعها بصوت لا يكاد يسمع . وفي الخارج توقفت الخطوات قليلاً وكأنها تنتظر شيئاً ، ثم جاء الصوت نفسه مرة اخرى ، وحين صمت اخذت ميريام تترجم بصوت مرتجف هامس:
- "انه يسأل لماذا أنا في الصالون حتى هذه الساعة المتأخرة ؟".

وعادت الخطوات تتجه نحو الغرفة ، وكان الباب موارباً ، وقالت ميريام بالانكليزية :


- " تعال يا دوف ، يوجد ضيوف يرغبون برؤيتك ".

وانفتح الباب بشيء من البطء ، ولاول وهلة لم يصدق ، فقد كان الضوء عند الباب باهتاً ، ولكن الرجل الطويل القامة خطا الى الامام . كان يلبس بزة عسكرية ، ويحمل قبعته بيده.

وقفز سعيد واقفاً كأن تياراً كهربائياً قذفه عن المقعد ، ونظر نحو ميريام وهو يقول بصوت متوتر :

- "هذه هي المفاجأة ؟ اهذه هي المفاجأة التي اردت منا انتظارها ؟".

واستدارت صفية نحو النافذة ، تخفي وجهها براحتيها وتنشج بصوت مسموع .

اما الرجل الطويل القامة فقد ظل مسمراً امام الباب ، ينقل بصره نحو الثلاثة محتاراً ، وعندها فقط قامت (ميريام) ، وقالت للشاب بهدوء مفتعل وبطيء :

- " اريد ان اقدم لك والديك ... والديك الاصليين" .

وخطا الشاب الطويل القامة خطوة بطيئة الى الامام ، وتغير لونه فجأة وبدا انه فقد ثقته بنفسه دفعة واحدة . ثم نظر الى بزته وعاد ينظر الى سعيد ، الذي كان واقفاً ما يزال امامه يحدق اليه . وأخيراً قال الشاب بصوت خفيض :

- " أنا لا أعرف أماً غيرك ، أما أبي فقـد قتل في سـيناء قبل 11 سنه ، ولا اعرف غيركما ".

وعاد سعيد الى الوراء خطوتين ، ثم جلس مكانه وأخذ راحة صفيه بين يديه ، وادهشه – بينه وبين نفسه – كيف استطاع ان يسترد هدوءه بهذه السرعة . ولو قال له اي انسان قبل خمس دقائق فقط انه سيكون جالساً هناك بمثل هذا الهدوء لما صدقه ، أما الان فقد تغير كل شيء .

ومضت لحظات بطيئة ، كان كل شيء فيها ساكناً تماماً . ثم اخذ الشاب الطويل القامة يخطو ببطء : ثلاث خطوات نحو الباب ثم عودة نحو وسط الغرفة . وضع قبعته على الطاولة ، وبدت قرب المزهرية الخشبية وريش الطاووس فيها شيئاً غير مناسب ، والى حد ما مضحكاً . وفجأة انتاب سعيد شعور غريب بأنه ما زال يشاهد مسرحية معدة سلفاً بدقة ، وتذكر مشاهد درامية مفتعلة في افلام رخيصة تستدر توتراً تافهاً .

وتقدم الشاب من ميريام ، وأخذ يقول لها بصوت اراد منه أن يكون قاطعاً ونهائياً ومسموعاً تماما :

- " وماذا جاءا يفعلان ؟ لا تقولي انهما يريدان استرجاعي !".

وقالت ميريام بصوت مماثل :
- " اسألهما ".

واستدار كقطعة خشب ، كأنه ينفذ امراً ، وسأل سعيد :

-" ماذا تريد يا سيدي ؟".

وظل سعيد محتفظاً بهدوئه الذي بدا له لحظتذاك مجرد قشرة رقيقة تخفي لهباً كامناً ، وبصوت خفيض قال :

- " لاشيء . لا شيء .. انه مجرد فضول ، كما تعلم ".

وخيم صمت مفاجيء ، فيما ارتفع صوت صفيه بالنشيج وكأنه صادر من مقاعد متفرج هش التأثر . ونقل الشاب بصره مرة اخرى : من سعيد الى ميريام ثم الى قبعته المتكئة على المزهرية ، وارتد الى الوراء كأن شيئاً دفعه بقوة نحو المقعد المجاور لميريام ،وجلس فيه وهو يقول :

- " لا . ذلك شيء مستحيل ، لا يصدق ..".

وسأل سعيد ، بهدوئه المفاجيء :

- " أنت في الجيش ؟ من تحارب ؟ لماذا ؟".

وانتفض الشاب واقفاً فجأة :

- " ليس من حقك ان تسأل هذه الاسئلة . انت على الجانب الاخر ".

- "انا ؟ انا على الجانب الاخر ".

وضحك بقوة ، وشعر بأنه عبر تلك القهقهة العالية كان يدفع بكل ما في صدره من اسى وتوتر وخوف وفجيعة الى الخارج ، ورغب فجأة في ان يظل يقهقه ويقهقه حتى ينقلب العالم كله ، او ينام ، او يموت ، او يندفع خارجاً الى سيارته ، الا الا ان الشاب قاطعه بحدة :

- " لست ارى سبباً للضحك ".

- "أنا ارى ".

وضحك لفترة قصيرة فحسب ، ثم صمت كما تفجر ، واتكأ على مقعده مستشعراً تجدد الهدوء ، واخذ يبحث في جيبه عن سيكارة . وامتد الصمت طويلاً الا ان صفية ، التي عادت فهدأت نفسها سألت بصوت خفيض : " الا تشعر بأننا والداك ؟".

ولم يعرف احد لمن كان السؤال . فلا شك ان ميريام لم تفهم ، ولا الشاب الطويل القامة . اما سعيد فلم يرد : كان قد انهى سيكارته في تلك اللحظة فقام الى الطاولة ليطفئها واضطر – كي لا يفعل ذلك – ان يزحزح القبعة من مكانها ، وفعل ذلك وهو يبتسم بسخرية ، ثم عاد الى مكانه وجلس .

وعندها قال الشاب ، وقد تغير صوته تماماً :

- " دعونا نتحدث كأناس متحضرين".

واخذ سعيد يضحك مرة اخرى ، ثم قال :

- " أنت تريد ان تفاوض ... اليس كذلك ؟ كنت تقول انك ، او انني ، في الجهة الاخرى .. ماذا حدث ؟ هل تريد ان نفاوض ام ماذا؟".


وسألته صفيه مستثارة :

- "ماذا قال ؟".

- " لا شيء ".
-
وعاد الشاب فوقف ، واخذ يتحدث وكأنه حضر تلك الجمل منذ فترة طويلة :

-" انا لم اعرف ان ميريام وايفرات ليسا والدي الا قبل ثلاث او اربع سنوات . منذ صغري وانا يهودي . اذهب الى الكنيس والى المدرسة اليهودية واكل الكوشير وادرس العبرية . وحين قالا لي – بعد ذلك – ان والدي الاصليين هما عربيان ، لم يتغير اي شيء . لا ، لم يتغير . ذلك شيئ مؤكد .. ان الانسان هو في نهاية الامر قضية ".

- " من قال ذلك ؟".

- " قال ماذا ؟".

- "من الذي قال ان الانسان هو قضيه ؟".

- " لا اعرف ، لا اذكر .. لماذا تسأل ؟".

- لمجرد الفضول ، الصحيح لمجرد ان ذلك بالضبط ما كان يدور في بالي هذه اللحظة .

- " ان الانسان هو قضية؟".

- " بالضبط ".

- " اذن لماذا جئت تبحث عني ؟".

- " لست ادري . ربما لانني لم اكن اعرف ذلك ، او كي أتأكد منه اكثر . لست ادري ، على اي حال لماذا لا تكمل ؟".

وعاد الشاب الطويل القامة يمشي وهو يعقد كفيه وراء ظهره : ثلاث خطوات نحو الباب وثلاث خطوات نحو الطاولة . لقد بدا تلك اللحظة وكأنه حفظ عن ظهر قلب درساً طويلاً ، وانه حين قوطع في وسطه ، لم يعد يعرف كيف يكمله ، وهو يسترجع صامتاً ، في رأسه ، الجزء الاول كي يصير بوسعه المتابعة ، وفجأة قال :

- " بعد ان عرفت انكما عربيان كنت دائماً اتساءل بيني وبين نفسي : كيف يستطيع الاب والام ان يتركا ابنهما وهو في شهره الخامس ويهربان ؟ وكيف يستطيع من هو ليس امه وليس اباه ان يحتضناه ويربياه عشـرين سـنه ؟ عشـرين سنه ؟ اتريد ان تقول شيئاً يا سيدي ؟".

- " لا".
قال سعيد باختصار حاسم ، واشار له بيده كي يتابع :

- " انني في قوات الاحتياط الان ، لم يقدر لي خوض معركة مباشرة الى الان لاصف لك شعوري ، ولكن ربما في المستقبل استطيع ان اؤكد لك مجدداً ما سأقوله الان : انني انتمي الى هنا ، وهذه السيدة هي امي ، وانتما لا اعرفكما ولا اشعر ازاءكما بأي شعور خاص ".

- " لا حاجة لتصف لي شعورك فيما بعد ، فقد تكون معركتك الاولى مع فدائي اسمه خالد ، وخالد هو ابني ، ارجو ان تلاحظ انني لم اقل انه اخوك ، فالانسان كما قلت قضيه ، وفي الاسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين ... اتعرف لماذا اسميناه خالد ولم نسمه خلدون ؟ لاننا كنا نتوقع العثور عليك ، ولو بعد عشرين سنة ، ولكن ذلك لم يحدث . لم نعثر عليك .. ولا اعتقد اننا سنعثر عليك ".

ونهض سعيد س . متثاقلاً . الان فقط شعر انه متعب ، وانه هدر عمره بصورة عابثة . وساقه هذا الشعور الى كابة لم يكن يتوقعها ، واحس بأنه على وشك ان يبكي ، فقد كان يعرف انه كذب ، وان خالداً لم يلتحق بالفدائيين . وفي الواقع كان هو الذي منعه . بل مضى ذات يوم الى حد تهديده بالتبرؤ منه ان هو عصا ارادته والتحق بالمقاومة . وبدت له الايام القليلة الماضية مجرد كابوس انتهى على صورة مفزعة ، اهو نفسه الذي كان قبل ايام يهدد ابنه خالد بالتبرؤ من ابوته له ؟ اي عالم عجيب لا يصدق . الان لا يجد شيئاً ليدافع به عن نفسه امام تبرؤ هذا الشاب الطويل القامة من بنوته له الا افتخاره بأبوته لخالد ، خالد نفسه الذي حال دونه ودون الالتحاق بالفدائيين بذلك السوط التافه الذي كان يسميه الابوة ! من يدري ، فربما اقتنص خالد الفرصة اثناء وجوده هو في حيفا فهرب ... اه لو فعل ! كم سيكون من المخيب لكل قيم هذا الوجود ان هو عاد الى اليبت فوجد خالد بانتظاره !.

مشى سعيد خطوتين واخذ ، مره اخرى ، يعد ريشات الطاووس الخمس التي كانت في المزهرية الخشبية ، ولاول مره منذ دخل الشاب الطويل القامة الى الغرفة ، نظر الى ميريام ، وببطء قال لها :

-" انه يتساءل كيف يترك الاب والام ابنهما الرضيع في السرير ويهربان ... انت يا سيدتي لم تقولي له الحقيقة ، وحين رويتها له كان الوقت قد مضى ، انحن الذين تركناه ؟ انحن الذين قتلنا ذلك الطفل قرب كنيسة بيت لحم في الهادار ؟ الطفل الذي كانت جثته ، كما قلت لنا ، اول شيء صدمك في هذا العالم الذي يسحق العدل بحقارة كل يوم .. ربما كان ذلك الطفل هو خلدو ! ربما كان ذلك الشيء الصغير الذي مات ذلك اليوم التعيس خلدون... بل إنه خلدون ، وانت كذبت علينا أنه خلدون ، وقد مات ، وهذا ليس الا طفلا يتيما عثرت عليه في بولونيا ، او انكلترا".

كان الشاب طويل القامه ينكفئ على نفسه كشيء محطوم في كرسيه ، وقال سعيد لنفسه :
-" لقد فقدناه ، ولكنه بلا ريب فقد نفسه بعد هذا كله ، ولن يكون ابدا كما كان قبل ساعة " وأعطاه هذا الاعتقاد شعورا غامضا بارتياح لا يفسر ، وذلك كان ما دفعه نحو الكرسي الذي كان الشاب طويل القامة جالسا فيه ، ووقف امامه وقال :
-" الانسان في نهاية المطاف قضية ، هكذا قلت ، وهذا هو الصحيح ، ولكن أية قضية ؟ هذا هو السؤال ! فكر جيدا . خالد هو ايضا قضية ، ليس لأنه ابني ، ففي الواقع ... دع تلك التفاصيل ، على أية حال ، جانبا... إننا حين نقف مع الإنسان فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم وتذاكر الهوية وجوازات السفر ... هل تستطيع أن تفهم ذلك ؟ حسنا ، دعنا نتصور أنك استقبلتنا –كما حلمنا وهما عشرين سنة- بالعناق والقبل والدموع ... أكان ذلك قد غير شيئا؟ إذا قبلتنا أنت ، فهل نقبلك نحن؟ ليكن اسمك خلدون أو دوف او اسماعيل او اي شيء آخر ... فما الذي يتغير ؟ ومع ذلك فأنا لا أشعر بالاحتقار إزاءك ، والذنب ليس ذنبك وحدك ، ربما سيبدأ الذنب من هذه اللحظه ليصبح مصيرك ، ولكن قبل ذلك ماذا؟ أليس الانسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوما وراء يوم وسنة وراء سنة ؟ إذا كنت أنا نادما على شيء فهو انني اعتقدت عكس ذلك طوال عشرين سنة "!

وعاد يجر خطواته ، محاولا أن يبدو أهدأ ما يكون ، عائدا الى مقعده ، إلا أنه في تلك الخطوات القليلة التي كانت تمر عبر الطاولة المصدفة ، بريش الطاووس الذي يتمايل في المزهرية الخشبية وسطها ، بدت له الأشياء مختلفة تماما عما كانت عليه حين دخل هذه الغرفة للمرة الأولى قبل ساعات ، وسأل نفسه فجأة : ما هو الوطن؟ وابتسم بمرارة ، وأسقط نفسه ، كما يسقط الشيء في مقعده ، وكانت صفية تنظر اليه قلقة ، وتفتح في وجهه عينين متسائلتين ، وعندها فقط خطر له أن يشاركها في الأمر، فسألها :
-"ما هو الوطن ؟".

وارتدت الى الوراء مندهشة وهي تنظر اليه كمن لا يصدق ما سمع ، ثم سألته برقة يكتنفها الشك :
-" ماذا قلت؟".

-" سألت : ما هو الوطن؟ وكنت أسأل نفسي ذلك السؤال قبل لحظة . أجل ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة ؟ الطاولة ؟ ريش الطاووس ؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي ؟ شجرة البلوط؟ الشرفة ؟ ما هو الوطن ؟ خلدون؟ أوهامنا عنه ؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن ؟ بالنسبة لبدر اللبدة ، ما هو الوطن؟ أهو صورة أية معلقة على الجدار؟ أنني أسأل فقط".

ومرة جديدة ، ومفاجئة أخذت صفية تبكي ، وتجفف دموعها بمنديلها الأبيض الصغير ، وقال سعيد لنفسه وهو ينظر اليها:" لقد شاخت هذه المرأة حقا ، واستنزفت شبابها وهي تنتظر هذه اللحظة ، دون أن تعرف أنها لحظه مروعة ".

وعاد فنظر الى (دوف) وبدا له مستحيلا تماما أن يكون هذا الشاب من صلب تلك المرأة ، وحاول أن يستشف شبها ما بينه وبين خالد ، إلا انه لم يعثر على إيما شبه بين الرجلين ، بل رأى بصورة ما تضادا بينهما يكاد يكون متعاكسا تماما ، واستغرب أن يكون قد فقد ايما عاطفة إزاءه ، وتصور أن مجموع ذاكرته عن (خلدون) كانت قبضة من الثلج أشرقت عليه فجأة شمس ملتهبة فذوبتها.

وكان ما يزال ينظر الى (دوف) حين قام هذا الآخر فجأة ووقف أمام سعيد منتصبا كأنه يتصدر طابورا من الجنود المختبئين ، وبذل جهده كي يكون هادئا :

-" كان يمكن لذلك كله ألا يحدث لو تصرفتم كما يتعين على الرجل المتحضر الواعي أن يتصرف".

-" كيف؟".

-" كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا . واذا لم يكن ذلك ممكنا فقد كان عليكم بأي ثمن ألا تتركوا طفلا رضيعا في السرير . وإذا كان هذا أيضا مستحيلا فقد كان عليكم ألا تكفوا عن محاولة العودة ... أتقولون أن ذلك أيضا مستحيلا؟ لقد مضت عشرون سنة يا سيدي ! عشرون سنة! ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك ؟ لو كنت مكانك لحملت السلاح من أجل هذا . أيوجد سبب أكثر قوة ؟ عاجزون! عاجزون! مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل! لا تقل لي أنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون!...الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات ! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود ... ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي... أهذا ما تقوله لي الآن؟ أهذا هو سلاحك التافه المفلول ؟".

وارتد سعيد الى الوراء ، مدهوشا ومطعونا ، وأحس بدوار مفاجئ يعصف يه ، أيمكن أن يكون ذلك كله حقيقيا ؟ ألا يمكن أن يكون مجرد حلم طويل وممطوط وكابوس لزج يفرش نفسه فوقه كأخطبوط هائل؟ وأخذ ينظر الى صفية التي كانت دهشتها قد اتخذت شكل الانهيار المهيض الجناح ، وشعر بحزن عميق من أجلها ، ولمجرد أن لا يبدو غبيا ، اتجه نحوها ، وقال لها بصوت مرتجف:

-" لست أريد أن أناقشه ".

-" ماذا قال ؟".

-" لا شيء . بلى . قال اننا جبناء".

وسألت صفية ببرائة :

-" ولأننا جبناء يصير هو كذلك ؟".

عندها فقط استدار نحوه ، كان ما يزال واقفا منصب القامة ، وبدت ريشات الطاووس المطلة وراءة وكأنها تشكل ذيلا لديك كبير خاكي الون يقف هناك . وابتعث فيه المنظر انتعاشا غير متوقع ، فقال :

-" زوجتي تسأل إن كان جبننا يعطيك الحق في أن تكون هكذا ، وهي ، كما ترى، تعترف ببراءة بأننا كنا جبناء ، ومن هنا فأنت على حق ، ولكن ذلك لا يبرر لك شيئا ، إن خطأ زائد خطأ لا يساويان صحا ، ولو كان الأمر كذلك لكان ما حدث لايفرات ولميريام في أوشفيتز صوابا ، ولكن متى تكفون عن اعتبار ضعف الآخرين وأخطائهم مجيرة لحساب ميزاتكم ؟ لقد اهترأت هذه الأقوال العتيقة ، هذه المعادلات الحسابية المترعة بالأخاديع ... مرة تقولون أن أخطاءنا تبرر أخطاءكم ، ومرة تقولون أن الظلم لا يصحح بظلم آخر... تستخدمون المنطق الأول لتبرير وجودكم هنا ، وتستخدمون المنطق الثاني لتتجنبوا العقاب الذي تستحقونه ، ويخيل إلي أنكم تتمتعون الى أقصى حد بهذه اللعبه الطريفة ، وها أنت تحاول مرة جديده أن تجعل من ضعفنا حصان الطراد الذي تعتلي الذي تعتلي صهوته ... لا ، أنا لا أتحدث إليك مفترضا إنك عربي ، والآن أنا أكثر من يعرف أن الإنسان هو قضية، وليس لحما ودما يتوارثه جيل وراء جيل مثلما يتبادل البائع والزبون معلبات اللحم المقدد ، إنما أتحدث إاليك مفترضا أنك في نهاية الأمر إنسان . يهودي . أو فلتكن ما تشاء . ولكن عليك أن تدرك الأشياء كما ينبغي ... وأنا أعرف أنك ذات يوم ستدرك هذه الأشياء ، وتدرك أن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها ، كائنا من كان ، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم ، وهي التي تبرر له أخطاءه وجرائمه...
وصمت لحظة ، ثم نظر مباشرة في عيني ( دوف):

-" وأنت ، أتعتقد أننا سنظل نخطئ ؟ وإن كففنا ذات يوم عن الخطأ ، فما الذي يتبقى لديك ؟".

وشعر ، ثمة ، أن عليهما أن ينهضا وينصرفا ، فقد انتهى الأمر كله ،ولم يعد هناك ما يقال بعد، وأحس تللك اللحظة بشوق غامض لخالد ، وود لو يستطيع أن يطير اليه ويحتويه ويقبله ويبكي على كتفه ، مستبدلا أدوار الأب والأبن على صورة فريدة لا يستطيع تفسيرها . " هذا هو الوطن" ، قالها لنفسه وهو يبتسم ، ثم التفت نحو زوجته :
-" أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله ".

وسألته زوجته متوترة بعض الشيء :
-" ماذا حدث لك يا سعيد؟"

-" لا شيء. لا شيء أبدا . كنت أتسأل فقط . أفتش عن فلسطين الحقيقية . فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة ، أكثر من ريشة طاووس ، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم . وكنت أقول لنفسي : ما هي فلسطين بالنسبة لخالد ؟ إنه لا يعرف المزهرية ، ولا الصورة ، ولا السلم ولا الحليصة ولا خلدون ، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء المرء السلاح ويموت في سبيلها ، وبالنسبة لنا ، أنت وأنا ، مجرد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة ، وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار ... غبارا جديدا أيضا ! لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط ، أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل ، وهكذا كان الافتراق ، وهكذا أراد خالد أن يحمل السلاح . عشرات الألوف مثل خالد لا تستوقفهم الدموع المفلولة لرجال يبحثون في أغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور ، وهم إنما ينظرون للمستقبل ، ولذلك هم يصححون أخطأنا ، وأخطاء العالم كله ... إن دوف هو عارنا ، ولكن خالد هو شرفنا الباقي... ألم أقل لك منذ البدء إنه كان يتوجب علينا ألا نأتي .. وإن ذلك يحتاج الى حرب ؟ ... هي بنا !".

-" لقد عرف خالد ذلك قبلنا ... آه يا صفية ... آه"

ووقف فجأة ، ووقفت صفية الى جانبه وهي تفرك منديلها محتارة ، وظل دوف جالسا ، منكفئا على نفسه ، وكانت قبعته متكئة على المزهرية وتبدو هناك ، ولسبب ما ، مضحكة تماما ، وقالت ميريام ببطء:
-" لا تستطيعان أن تغادرو هكذا ، لم نتحدث كفاية عن الموضوع"

قال سعيد :
-" ليس ثمة ما يقال . بالنسبة لك ربما كان الأمر كله حدثا سيء الحظ ، ولكن التاريخ ليس كذلك ، ونحن حين جئنا هنا كنا نعاكسه ، وكذلك ، أعترف لك ، حين تركنا حيفا ، إلا ان ذلك كله شيء مؤقت . أتعرفين شيئا يا سيدتي ؟ يبدو لي أن كل فلسطيني سيدفع ثمنا ، أعرف الكثيرين دفعوا أبناءهم ، وأعرف الآن إنني أنا الآخر دفعت إبنا بصورة غريبة ، ولكنني دفعته ثمنا ... ذلك كان حصتي الأولى ، وهذا شيء سيصعب شرحه ".

واستدار ، وكان دوف لا يزال منكفئا في مقعده محتويا رأسه بين راحتيه ، وحين وصل سعيد الى الباب قال:
-" تستطيعان البقاء مؤقتا في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته الى حرب ".

وبدأ ينزل السلم ، محدقا بدقة الى كل الأشياء وقد بدت له أقل أهمية مما كانت قبل ساعات وغير قادرة على إثارة أيما شيء في أعماقه ، ووراءه كان يسمع أصوات خطى صفية أكثر وثوقا من قبل . وكان الطريق في الخارج خاليا تقريبا . أتجه الى سيارته وتركها تنزلق على السفح دونما صوت ، وعند المنعطف فقط أدار محركها وأتجه نحو شارع الملك فيصل .

وقد ظل صامتا طوال الطريق ، ولم يتلفظ بأيما شيء إلا حين وصل مشارف رام الله ، عندها فقط نظر الى زوجته وقال :

-" أرجو أن يكون خالد قد ذهب .... أثناء غيابنا "!




على هذه الأرض ما يستحق الحياة
لا أفهم هذه المناورات•• لا افهم السياسة، لفلسطين طريق واحد وحيد هو البندقية•
بلال والله بحوبك
  اقتباس المشاركة
قديم 03-31-2007, 08:53 PM   #4
أبو يقين

.|[ رفـحآوي أصـيل ]|.
 
الصورة الرمزية أبو يقين
Real Madrid For Ever

قوة السمعة: 452 أبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond repute

افتراضي رد: مكتبة روايات غسان كنفاني أرجو التثبيت

ان شاء الله أكون قد كفيت ووفيت
وارجو من المدير أن يثبت موضوعي لأنوا رح يكون
مستمر ورح أجيب الروايات التانيات
تقبلوا تحياتي ابو يقين

نور اليقين هادي روايات لازم تقريهن يما علشان تتثقفي ماشي
كل اشي جاهز يلا سلملم




على هذه الأرض ما يستحق الحياة
لا أفهم هذه المناورات•• لا افهم السياسة، لفلسطين طريق واحد وحيد هو البندقية•
بلال والله بحوبك
  اقتباس المشاركة
قديم 04-06-2007, 09:59 AM   #5
أبو يقين

.|[ رفـحآوي أصـيل ]|.
 
الصورة الرمزية أبو يقين
Real Madrid For Ever

قوة السمعة: 452 أبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond repute

افتراضي رد: مكتبة روايات غسان كنفاني أرجو التثبيت

أين الردود يا شباب فلسطين




على هذه الأرض ما يستحق الحياة
لا أفهم هذه المناورات•• لا افهم السياسة، لفلسطين طريق واحد وحيد هو البندقية•
بلال والله بحوبك
  اقتباس المشاركة
قديم 04-06-2007, 10:49 AM   #6
aBo SaLeeM
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية aBo SaLeeM

قوة السمعة: 305 aBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond repute

افتراضي رد: مكتبة روايات غسان كنفاني أرجو التثبيت

يعطيك الف عافية ياباشا

وانشاءالله راح يثيت الموضوع


  اقتباس المشاركة
قديم 04-06-2007, 07:50 PM   #7
أبو يقين

.|[ رفـحآوي أصـيل ]|.
 
الصورة الرمزية أبو يقين
Real Madrid For Ever

قوة السمعة: 452 أبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond repute

افتراضي رد: مكتبة روايات غسان كنفاني أرجو التثبيت

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة AbO SaLeEmمشاهدة المشاركة يعطيك الف عافية ياباشا

وانشاءالله راح يثيت الموضوع

شكرا الك أخي أبو سليم لمرورك
وعلى تثبيتك للموضوع
رائع
تحيات الك
بس شغلي طلع هدر




على هذه الأرض ما يستحق الحياة
لا أفهم هذه المناورات•• لا افهم السياسة، لفلسطين طريق واحد وحيد هو البندقية•
بلال والله بحوبك
  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:20 PM.